استخدم «التيار الوطني الحر» «وتيار المستقبل» انصارهما في «لعبة» «الشارع» مجددا، ولكن المشهد بدا هذه المرة اكثر خطورة بعدما جرى حشد المؤيدين وراء دعم قضاة متخاصمين في الشكل على قواعد تطبيق القوانين او مخالفتها، وفي المضمون يمثلون «الوجه القبيح» للانقسام السياسي الخبيث الذي ساهم في تخريب الجسم القضائي. هذه المواجهة على «ابواب» قصر العدل حيث يتم البحث عن تسوية تحفظ ما تبقى من «وجه القضاء»، أرخت «بظلال» قاتمة على البلد المنهار، واضافت «ملهاة» جديدة تستخف بـ «عقل» الشعب اللبناني الذي يعرف بغالبيته ان ما يحصل ليس معركة حول الاصلاح او نزاع بين فريقين حول دولة القانون، فهما كانا شريكا تسوية مسؤولة عن «الخراب» وخلافهما اليوم بعد انفضاض الشراكة لن ينتهي «بغالب او مغلوب»، فالجميع سيكون محكوما بتسوية داخلية سيجري فرضها عاجلا او آجلا من الخارج، وما يجري في فيينا على «طريق» العودة الى الاتفاق النووي الايراني، وما حصل في بغداد من محادثات ايرانية - سعودية، برغبة من الرياض التي تحاول استرضاء الادارة الاميركية الجديدة، سيكون له الانعكاسات المباشرة على الساحة اللبنانية في الايام والاسابيع المقبلة، سلبا او ايجابا، وعندها سيسمع اللبنانيون الكثير من «الاكاذيب» لتبرير التسوية الجديدة، اذا ما حصلت؟

 ماذا يحصل في المنطقة؟ 

اذا هذا التوتر الداخلي يتزامن مع حراك اقليمي ودولي «ساخن» دبلوماسيا وأمنيا، على اكثر من خط، لكن تبقى محوره ايران، ووفقا لاوساط دبلوماسية  ثمة شيء ما تحرك في المنطقة وعلى نحو متسارع ستتكشف الاوراق قبل الانتخابات الرئاسية الايرانية في حزيران المقبل، ولن يكون لبنان بعيدا عن تداعياتها الايجابية او السلبية. وما هو ثابت حتى الان ان «المياه الراكدة» بين طهران والرياض تحركت ولاسباب ترتبط بالمأزق السعودي في اليمن، وكذلك العلاقة المتوترة مع واشنطن، وكما تحاول بعض القوى السياسية في لبنان تقديم «اوراق اعتمادها» للادراة الاميركية الجديدة، ثمة رغبة لدى القيادة السعودية بتحسين العلاقة مع الرئيس جو بايدن آملة في استعادة «الحظوة» السابقة من «بوابة» تسهيل رغبته بانهاء الحرب العبثية في اليمن، ومواكبة عودته الى الاتفاق النووي الايراني بفتح «قنوات اتصال» مع طهران، وهذا الامر اذا نجح سيعيد كل الملفات الى «الطاولة» وفي مقدمتها الملفين السوري واللبناني. وهذا ما يجعل من الاسابيع القليلة المقبلة مهمة للغاية لما قد تحمله من مفاجآت غير محسومة النتائج بعد، لكنها ستعطي مؤشرات حاسمة حيال ما ينتظر الساحة اللبنانية التي قد تتحول الى «صندوقة بريد» لتبادل «رسائل» «النوايا الحسنة»، اذا ما تقدمت المحادثات الايرانية - السعودية كما هو مخطط لها، ولم تتدخل عوامل خارجية اهمها العامل الاسرائيلي الذي يشعر الان انه تم التخلي عنه من قبل الحلفاء في واشنطن والحلفاء الجدد في المنطقة العربية ويعمل الجميع للحوار مع طهران بعيدا عن مصالحه.

 ترحيب اميركي! 

فما كشفته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية عن لقاء عقد في بغداد بين ممثلين إيرانيين وشخصيات سعودية رفيعة المستوى في 9 نيسان الجاري، اثار قلق الاسرائيليين، في مقابل ترحيب اميركي في «الكواليس» سهل حضور السعوديين الى «الطاولة». وهذا الاجتماع يعد كسرا للجمود في العلاقة بين الجانبين منذ قطع العلاقة بينهما في كانون الثاني 2016، بعد الهجوم على السفارة السعودية في طهران، الذي جاء ردا على إعدام  رجل الدين السعودي الشيعي نمر النمر. ووفقا للمعلومات فان السعودية، وعبر شخصيات رفيعة، اقترحت أن يكون استئناف الاتفاق النووي نقطة انطلاق لمحادثات أخرى مع دول المنطقة من أجل توسيع بنود الاتفاق، وهو امر يتطابق مع الاستراتيجية التي يسوق لها بايدن للمفاوضات. عارضت إيران إشراك السعودية في النقاشات المباشرة، لكنها اقترحت أن تبادر السعودية إلى مناقشة اقليمية متعددة الأطراف. وهذا  ما فتح «الباب» امام الجلسة الاولى من الحوار بين البلدين.

...وقلق في اسرائيل؟

وفي هذا السياق، أكدت صحيفة «هارتس» الاسرائيلية ان نفي السعودية وايران انعقاد هذا اللقاء، يشبه النفي الذي نشرته إسرائيل والسعودية بعد الكشف عن اللقاء بين بنيامين نتنياهو ومحمد بن سلمان. واضافت»لا نحتاج إلى خيال كثير كي نصف «انقباض البطن» الذي أصاب نتنياهو بعد سماعه تلك الاخبار التي تدل على أن التحالف المناوئ لإيران بات يعد أيامه. فالدولة العربية التي قادت المعركة ضد إيران، وطرحت نفسها كحليفة لإسرائيل في هذا الشأن، وتدير حرباً ضد الحوثيين في اليمن من أجل كبح نفوذ إيران، منذ خمس سنوات، تجلس الان على «الطاولة».

الرياض «وارضاء» بايدن 

وبرأي الصحيفة، لا تحتاج السعودية إلى جلسة «كابينت» كي تفهم الخارطة السياسية الجديدة في المنطقة. فإذا كانت هناك حاجة إلى تغيير «النغمة» وربما السياسة تجاه إيران للعودة إلى غرفة الضيوف الخاصة بالرئيس الأميركي، فهذا ما سيحدث. فالخطوة السعودية والمفاوضات حول الاتفاق النووي هما جزء من نفس الرزمة التي تشمل وعداً أميركياً للسعودية بتحسين مكانتها في الولايات المتحدة مقابل تأييد الاتفاق النووي ووقف الحرب في اليمن.!

ولهذا اذا كان ترامب قد استخدم السعودية للدفع قدماً بصفقة القرن الخاصة به، فإن لبايدن صفقة خاصة به، سيكون على السعودية دفع ثمنها السياسي. اما اسرائيل فليس لها ما تساهم به. ووفقا للمحللين الاسرائيليين، إذا استطاعت إسرائيل في السابق أن تسوق خدمات الوساطة لدى الإدارات الأميركية من أجل دول عربية أو دول كانت بحاجة إلى علاقة جيدة مع الإدارة الأميركية أو مساعدة اقتصادية، فهذه الخدمة ذهبت إلى إجازة بدون راتب، وعلى اسرائيل ان تقلق لان الولايات المتحدة تدير بنفسها الملف النووي مع ايران وهي تفقد صبرها تجاه من يحاول إزعاجها.

«الخيانة» الاميركية لاسرائيل؟

وهذا ما يجعل اسرائيل اكثر توترا وقلقا، فلاول مرة بعد اشهر من التجميد، وبعد جولة من الهجمات المتبادلة مع ايران انعقد مجلس الوزراء الامني، لنقاش «التهديد الوجودي» الإيراني بعدما باتت العودة الاميركية الى الاتفاق النووي مجرد وقت. ووفقا للاعلام الاسرائيلي تبدو اسرائيل عالقة بين خطوات سياسية جوهرية لا تستطيع فيها التأثير أو التدخل، فتقديراتها بخصوص نتائج حادثة نطنز انهارت، ومكانتها كمجندة للدعم الدولي ضد إيران، تقوضت، وليس بإمكانها الآن سوى أن تصوغ «الخيانة الأميركية» بلهجة شديدة.

 «الدخان الابيض» 

ووفقا للتقديرات الاسرائيلية، فان جولة المحادثات النووية الثانية التي بدأت السبت الماضي في فيينا، كانت حاسمة ومنها بدأ الدخان الأبيض يتصاعد. واذا كانت الطريق ما تزال  طويلة، لكن الاتجاه واضح، واشنطن لم تتأثر كثيرا، باعلان طهران التخصيب بنسبة 60 بالمئة، وتريد التوصل الى اتفاق ولهذا لم تنهار المفاوضات. وتفترض إسرائيل بأن واشنطن ستبدل كل ما في استطاعتها من أجل استئناف الاتفاق النووي، وأي عملية إحباط إسرائيلية، سياسية أو عسكرية، ستعتبر مساً بمصالح أميركا الوطنية، حسب تعبير صحيفة «هآرتس».

وقد وصفت صحيفة «واشنطن بوست» الاميركية العلاقة بين بايدن ونتنياهو بأنها «أقل دفئاً» من العلاقة مع الإدارة السابقة، وأشارت إلى أن هجوم نطنز حوّل الخلاف بين الطرفين إلى مشكلة كبيرة. لإن عملية إسرائيل، ينظر إليها اميركيا كعملية تخريب تهدف إلى المس بالمفاوضات بين إيران والدول العظمى. اما التقارير الواردة من فيينا، فتشير الى ان جميع الأطراف يلاحقها ضغط الزمن. واللقاءات المتواترة والمشاورات السريعة تدل على أن إيران معنية بالتوقيع على الاتفاق قبل الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في حزيران.

 اتفاق بحري ايراني - روسي؟

ولا يتوقف القلق الاسرائيلي عند هذا الحد، فالمعلومات حول تفاهم روسي - ايراني على إقامة غرفة عمليات مشتركة تضمن تحرك السفن إلى روسيا في البحر المتوسط، سيمنع إسرائيل من الاستمرار بالهجمات البحرية التي يمكن أن تعرض قواتها للخطر من خلال احتكاك محتمل مع السفن الروسية. وكل هذا يدل على ان الدول العظمى لا تخضع اولوياتها ومصالحها لجدول أعمال نتنياهو.

 النزاع القضائي الى اين؟ 

ففي وقت يزور رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب قطر دون الاعلان عن جدول اعمال الزيارة التي تحول عنوانها الاوحد المعلن «الشحادة» ما امكن، وفيما لم يصرف الرئيس المكلف سعد الحريري رحلاته الخارجية على ارض الواقع، انفجرت «قضائيا»، ولم يعد بالامكان لملمة «الفضيحة»،على الرغم من التسوية التي يعمل عليها كي «لا يموت الديب ولا يفنى الغنم»، فمجلس القضاء الاعلى الذي انعقد في حضور كافة اعضائه لمدة 6 ساعات للبحث في أزمة عدم «انصياع» القاضية غادة عون لقرار مدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات، بعد كف يدها عن بعض الملفات الحساسة ومنها الدعاوى المالية، لم يحسم خطواته، واختار التريث، مرجئا قراراته الى اليوم، ودعا عون الى جلسة عند الساعة العاشرة من صباح اليوم للاستماع اليها. وفي ضوء ما ستقوله، سيصار الى تحديد توجّه «المجلس»، ووفقا للمعلومات لا توجه لعزلها لان الامر لا يمكن ان يمر في ظل التوازنات السياسية الحالية بعدما حظيت القاضية عون بغطاء كامل من القصر الجمهوري، كما ان الاغلبية لعزلها غير متوفرة في المجلس بعد اعتراض قاضيين، وفي ظل النقص العددي في المجلس المكون اصلا من 10 اعضاء، لا يمكن تأمين تلك الاغلبية بعد شغور مقعدين. وأمام أعراب القضاة سهيل عبود وبركان سعد وعويدات عن امتعاضهم من أداء عون ثمة توجه احالتها إلى التفتيش المركزي، او الى المجلس التأديبي. كما اعترض القضاة الثلاثة على اداء وزيرة العدل ماري كلود نجم «المتحيّز» وعبروا عن ذلك بمقاطعة الاجتماع التنسيقي برئاستها الذي ضم قيادات عسكرية وأمنية معنية بمهام الضابطة العدلية.

هل التسوية متاحة؟ 

في هذا الوقت لوحت القاضية عون بالادعاء على مدعي عام التمييز غسان عويدات امام وزيرة العدل والتفتيش القضائي، ومجلس القضاء الاعلى، لمخالفته المادة 12 من أصول المحاكمات الجزائية، فيما سيركز القاضي عويدات في مطالعته اليوم على تأكيد الاستدعاء المتكرر للقاضية عون قبل وقوع اشكال شركة مكتّف واسباب رفضها الحضور، واسباب التمرد على قراره لاحقا ومداهمة الشركة على رغم قراره كف يدها. ووفقا لاوساط مطلعة قد يتم وقف دعوى عون مقابل ربط المسألة «بالعصيان» ولا شيء آخر، اضافة الى الاعلان عن احالة مدعي عام التمييز ملف شركة مكتف لشحن الاموال الى المدعي العام المالي علي ابراهيم لاجراء التعقبات اللازمة، وهذا يفتح «نافذة» امام تسوية يعمل عليها في «الكواليس» لضبضبة الملف بأقل الاضرار الممكنة على الجسم القضائي، فيما انهت عون تقريرا مفصلا عما توصلت اليه في التحقيقات حول شركة مكتف، بعدما حصلت على الوثائق خلال المداهمتين الاخيرتين، ومن المحتمل ان تعرض النتائج امام مجلس القضاء الاعلى اليوم.

 مواجهة في «الشارع» 

وبالتزامن مع الإجتماع في قصر العدل، تجمّع عدد من المتظاهرين التابعين لتيار المستقبل المؤيدين لموقف النائب العام التمييزي، وآخرين من التيار الوطني الحر المؤيدين للقاضية عون، فصل بينهم الجيش اللبناني. وتطوّر إشكال بين المتظاهرين إلى تضارب ما أدى إلى سقوط جريح!

 «انقلاب» الفرزلي على بعبدا! 

وفي موقف لافت اعتبرته مصادر بعبدا «انقلابا» «وطعن في الظهر» اعتبر نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي ان ما فعلته القاضية عون عمل انقلابي في القضاء لم يحصل في زمن الحرب، ودعا الجيش إلى استلام السلطة لفترة انتقالية من أجل تهيئة الأجواء لإجراء الانتخابات وإعادة إنتاج السلطة لأن هناك إجماعا من اللبنانيين على مؤسسة الجيش وهي معيار الكفاءة ونظافة الكف في لبنان.

هذا الكلام لم يمر مرور الكرام في بعبدا، فرد الوزير السابق سليم جريصاتي على  الفرزلي بالقول بكل صدق: خفف من غلوك، ولا تقحم الجيش في ما ليس فيه، في حين أنك تنزه النفس عن إقحام القضاء في السياسة والسياسة في القضاء، إذ إن الجيش والقضاء هما من الأركان الثابتة لمفهوم الدولة، كل في دائرة اختصاصه والتزاماته. جيشنا ليس جيش النظام، بل جيش الشرعية الدستورية، ودستورنا لا يتم تعليقه عند كل مفترق أو مفصل قاس من حياتنا العامة، ورئيس الجمهورية يبقى طيلة ولايته رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، وأنت العليم بأحوال الرئيس وقيمه وتحدياته وترفعه وتصميمه على الإصلاح والإنقاذ رغم غدرات الزمن والظلامة التي يتعرض لها. وأنا أثق بأن الزمن الأول لن يتحول عند صاحب السلالة العريقة في حياتنا الوطنية من أمثالك.

 «المنصة الالكترونية» ومخاطر الفشل؟ 

في هذا الوقت، وفيما لا تزال المعالجات المالية والاقتصادية قاصرة عن الحد من التدهور المستمر، من المقرر ان  يطلق مصرف لبنان «المنصّة الإلكترونية» في ٢٦ الجاري بعد اتمام الاستعدادات اللوجستية بعد انتهاء الدورة التدريبية لموظفي المصارف والصرّافين على كيفية العمل عليها. كما طلب مصرف لبنان من كل مصرف ومؤسسة صرافة مسجّلة، انتداب شخصين كحدّ أقصى، لحضور الدورة التدريبية، على أن يتم تزويد «وحدة العملات الأجنبية» في مصرف لبنان بأسمائهم. ووفقا للمعلومات، فان موعد ٢٦ الجاري يفترض ان يكون نهائيا بعدما تمّ تأجيل موعد إطلاق المنصّة أكثر من مرة، وسط شكوك في نجاح المنصة بضبط السوق السوداء على المدى المتوسط والطويل خصوصا اذا ما تأخر تشكيل الحكومة الجديدة، لان غياب التفاهم السياسي سيؤدي الى استمرار المضاربات على الليرة اللبنانية ولن يكون ضبط السوق السوداء متاحا، لان المنصة ستكون متاحة فقط أمام التجار والمستوردين والمصدّرين، ويحظَّر استخدامها على الأفراد ما سيؤدي إلى لجوء هؤلاء الى السوق الموازية.