تحاول اليوم مساعدة «الأوركسترا الشبابية»

في خضم أزمة سياسية ومالية مستفحلة منذ ثلاثة اعوام، نسي اللبنانيون طعم الفرح، نسوا كيف تكون سهرات المسرة والبهجة. قد خطفوا منا سرور الحياة وهويتنا الجذلية التي تميزنا في كافة أصقاع الأرض.

افتقدنا الموسيقى وحفلات الليالي الطويلة الملأى بالغبطة، انشغلنا برغيف الخبز وأهملنا غذاء الروح، اعدنا ترتيب اولوياتنا بما يتناسب مع هول الأزمة.

من حسن حظ اللبنانيين أن لديهم أناسا بهم من الوعي الجماعي والحس الوطني العالي ما يكفي لإطلاق الصرخات الضرورية في هكذا وضع. احدى هؤلاء كانت اللبنانية باسكال عجيل التي استشعرت الخطر على الهوية اللبنانية الثقافية وسارعت لإطلاق مبادرات فردية مسلطةً الضوء على جزء من هويتنا الثقافية الآيلة إلى الضمور. فمن هي باسكال عجيل، وماذا فعلت؟

باسكال عجيل هي مواطنة لبنانية تعمل في أحد المصارف ولكن قلبها ووجدانها منشغلان بالموسيقى. تحب الموسيقى منذ زمن طويل، وأولى تجاربها كانت على مسرح «الميوزيك هول» حيث كانت تؤدي  لكل من بياف ، ازنافور، ميشال بيرجي، وغيرهم  منغمسة بحبها العميق للمسرح لفترة من الزمن قبل أن تقرر  اعتناق غناء الأوبرا.

شاركت عام ٢٠١٩ مع جوقة الجامعة الانطونية لأداءRequiem de Verdi لمؤلف «الأوبرا» الإيطالي جوزيبي فيردي ضمن مهرجانات بعلبك الدولية. هذه التجربة حفزت اعجاب وشغف عجيل ب «الأوبرا» أكثر فاكثر، وقامت بتوطيد علاقاتها باعضاء «الأوركسترا الفيلهارمونية»  اللبنانية من موسيقيين واكاديميين، وزاد اهتمامها بالمعهد الوطني العالي للموسيقى كما  بالموسيقى الكلاسيكية.

تقول عجيل انها بدأت هذه المسيرة مؤخراً وانها لم تدرس الموسيقى مطلقاً انما تغني وتقرأ «النوتة» الموسيقية بشكل فطري.

وعن توظيف الفن لخدمة الإنسانية، تقول عجيل ان هذا الدرب بدأ منذ  إنطلاق «ثورة تشرين الأول»  ٢٠١٩ حيث انضمت إلى «جمعية اشرفيه ٢٠٢٠» للقيام بأعمال إنسانية ومساعدة أهل منطقتها مع تدهور الوضع الإقتصادي، حينذاك لمعت في خاطرها فكرة  تنظيم حفل موسيقي  لأجل جمع التبرعات لدعم  ومساندة الجمعية، فتواصلت مع إحدى صديقاتها في جنوب فرنسا، السيدة زينة طراد، لتنظيم حفل مع عازف البيانو اللبناني العالمي  عبد الرحمن الباشا.

عندئذ قامت عجيل بالتنسيق والتواصل مع الباشا الذي رحب بالفكرة وقدم هذا الحفل مجانا.

جرى الحفل في منطقة غورد جنوب فرنسا بعد تفجير الرابع من آب ولاقى أصداء كبيرة وتعاطفا كبيرا خصوصا من قبل الفرنسيين جراء ما يعاني لبنان من مآس.

ترك هذا التفجير جرحاً في قلب عجيل فقررت إعادة غناء الأغنية الكورسيكية

( Al’altrumonduفي العالم الآخر)، التي ألّفها الأخوان فينشنتي وهي رسالة يوجّهها شاب متوفٍّ من الجنّة إلى والدته ويطمئنها أنه في رعاية السيدة العذراء. هذه الأغنية ارادت منها عجيل أن تكون مهداة لأمهات شهداء تفجير المرفأ كنوع من الدعم المعنوي، والتي لاقت صدى كبيرا في فرنسا وكورسيكا تحديداً، وترجم ذلك في مقابلات على العديد مع المحطات التلفزيونية الفرنسية؛ كما وشاركت من خلالها السيدة عجيل في فعاليات اليوم الذي خصصته فرنسا لدعم لبنان في الأول من تشرين الأول عبر شاشةfrance 24 ، كما كتب عن هذه الأغنية أكثر من ١٤ جريدة أجنبية مسلطين الضوء على معاناة لبنان خصوصاً بعد انفجار مرفأ بيروت.

هذا النجاح دفع عجيل الى الانطلاق في مبادرة فردية لدعم المعهد الوطني العالي للموسيقى، وخصوصاً أن تفجير الرابع من آب أصاب بدماره المعهد بفرعيه في مونو وزقاق البلاط مما أضاف عبئا جديدا على كاهله.

رغم ترميم أبنية «الكونسرفاتوار»، بقي المعهد يعاني من نقص في التجهيزات والآلات الموسيقية ،  لذلك قامت  عجيل بمبادرة فردية وبالتنسيق مع المعهد الوطني العالي للموسيقى بتنظيم  حفل لجمع تبرعات في ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٠ ما لبث أن تم تأجيله بسبب الإغلاق العام ووفاة رئيس المعهد السيد بسام سابا، بعد ذلك عادت الفكرة مجدداً إلى الحياة بمساعدة الرئيس الحالي للمعهد الدكتور وليد مسلم الذي دعم الفكرة ودفعها بالتقدم وتنفيذ المشروع . بادرت بعد ذلك عجيل إلى تنظيم حفل Requiem de Cherubini الذي حصل في ٢٦ آذار المنصرم بمشاركة «الأوركسترا الفيلهارمونية» اللبنانية، مع جوقتي الجامعة الأنطونية وجامعة سيدة اللويزة بقيادة الأب توفيق معتوق، بالتعاون مع المعهد الثقافي الإيطالي وبمساندة أصدقاء «الأوركسترا الفيلهارمونية» اللبنانية، مراعين كافة الإرشادات الصحية المتعلقة بانتشار «فيروس كورونا» وذلك بحد  عدد الحضور في الحفل الذي أقيم في كنيسة القديس مار يوسف للآباء اليسوعيين، وتم نقله مباشرة على شاشتي تلفزيون لبنان و» أم تي في» اللبنانية، كما على وسائل التواصل الإجتماعي، حيث تمت التبرعات عبر المنصة الاكترونية Just Help.

لاحظت عجيل فرح الناس بالحفل على الرغم من كونه قداسا جنائزيا، ولكن استشعرت تعطش الناس للنشاطات الثقافية بعد غياب طويل ومع إنشغال الجميع بتأمين المأكل والطبابة كحد أدنى من الإحتياجات الأساسية.

رسالة عجيل تتمثل بالمقاومة الثقافية للحفاظ على هوية لبنان الثقافية الفنية مقابل محاولات حثيثة لطمرها، وهي تدعو إلى وعي جماعي محفزةً من هم من ذوي الطاقات الفنية للإستثمار في طاقاتهم في سبيل هذا الإرث الثقافي الفني العظيم خصوصاً أنه في حال فقدنا هذه الهوية واختفت، فاننا لن نتمكن من استعادتها مجددا كونها دربا طويلا من التنقل والتواتر عبر الأجيال.

أما عن مبادرتها الفردية المستقبلية، فان عجيل تقوم حالياً بالتواصل مع المعاهد الموسيقية في كافة أنحاء أوروبا ليقوموا اذا امكن بإرسال آلات موسيقية  كنوع من دعم لتلامذة «الاوركسترا الشبابية» غير القادرين مادياً على شراء آلات ، وبالتالي الحرص على أن يحمل الجيل القادم هذه الشعلة وأن يستمر في الحفاظ على هذا الإرث الثقافي المنير.

إذاً، يبدو أن لا خلاص للبنان إلا بالمبادرات الفردية، فالدولة تقاعست حتى غابت كلياً، والمسؤولون متلهون بما هو من قياسهم من مطامع ومكاسب. وحده المواطن اللبناني مدرك لحجم الخسارة ومتأثر بها وخائف عليها. مباركةً هي كل مبادرة لبنانية فردية كانت أم جماعية في سبيل إنقاذ أي قطاع من القطاعات التي تهاوت معا، المجد للشعب قلب هذا الوطن المريض!