في أحلك الأوقات ،يأتينا أحياناً مَنْ يحاول صرفنا عن الجوهر ليُلهينا بالقشور. كأنّ تَوَهُّم الوجود وإيهامه متقدمان على الوجود نفسه، بل كأنّ الإعتصام بالمعتقدات الخشبية هو المُهَيمن على قلة من القراء الذين لم يسائلوا يوماً مُسَلّماتهم ولم يكلفوا أنفسهم عناء الإمتحان النقدي لمعتقدات إفتراضية. تقول العالمة الأنثروبولوجية البريطانية جين غودال: «ما يجعلنا بَشَراً هو القدرة على طرح الأسئلة». أي أن مبرِّر الإرتقاء الحضاري إلى المرتبة الإنسانية هو استخدام قدراتنا العقلية في الإدراك المعرفي، عبْر الفضول العِلمي وطرح الأسئلة الجِدية. وإذا كانت الحركات العقلانية في التاريخ ، قديمه وحديثه، بطيئة الإنتشار فلأنها تخاطب ملكات البشر العليا أي عقولهم، في حين تخاطب الحركات اللاعقلانية الأسرعُ انتشاراً ملكاتِ الناس الدنيا أي غرائزَهم. وهذا الواقع الأليم يصح توصيفه، شكسبيرياً، بالملهاةِ - المأساة.

غالباً ما ترتفع السَّوية الفكرية بالمنتمين إلى المؤسسات العقلانية وخصوصاً النهضوية منها إلى آفاقٍ رِحاب ، باستثناء نفرٍ قليل لم يستنهضه العقل من البسائط إلى المُرَكّبات، فظلَّ حبيسَ الكهف الذي تفيد أمثولته الأفلاطونية أن المقيد في عتمة الكهف الطويلة قد يُقَيَّض له يوماً ما أن تتحرر يداه من السلاسل، لكنْ كيف له أن يُبصر بعدما ضرب النور الكثيف عينيه المُعتادتَيْن على الظلام الدامس؟

لذلك يقرأ الآلاف عن «برج بابل اللبناني» متفاعلين إيجابياً مع الموضوع، ومدركين في أعماقهم دلالة التسمية ومغزى التشبيه. لكنّ فرداً يُرثى له، مقفَل العقل، مؤدلجاً بالحَرف لا بالنهج، يستغلق عليه الفهم فيتجاهل مضمون النص بأكمله ويتعرّف فقط على أضلاع الحروف الموظفة لمحمول ثقافي محدد، لكنه أضاع ذلك المحمول بالتعليق الضحل وبالضِّيق «العقديّ» المحزن.

رُب ضارة بالإسم نافعة بالفعل. لعلنا جميعاً ندرك، بالتجربة، أن الكاتب مضطر أحياناً بل مقتنع أن يتوجه إلى نخبة تحفل بالزبْدة لا بالزَّبَد، وتفقه درساً معرفياً خلاصته أن النصوص- المدنية والدينية - هي إرث ثقافي عام حتى لو لم يتأصل بعضه في يقينياتنا. وسواء أكانت لفظة «بُرج بابل» من أصلٍ أكادي، أم من أسطورة توراتية، أم من تلميح قرآني، أو من مرويات مؤرخين كبار كالإغريقي هيرودوت المعروف بأبي التاريخ، فإن أمراً لا ريب فيه وهو أن أحداً - مهما كان شأنه - لن يستطيع إلغاء ما يُنكره على الناس من اقتناعات، ولا اجتثاث ذاكرة جماعية، ثقافية أو تاريخية عُمرُها آلاف السنين ودَوّنها حَمَلةُ الأقلام في مئات الأطروحات وآلاف الكتب وملايين الصفحات.

مساكين أولئك الذين يحاولون أن يحرثوا البحر، ويتوهمون أن الشمس لا تشرق إلا من بين أصابعهم ولا تغيب إلا في جيوبهم... ولعلّهم مثيرون للشفقة أكثر من كونهم مساكين لأن الذي يضلل البسطاء ليس مسكيناً خصوصاً متى جاء تضليله عن إدّعاء أو مكابرة أو تَعَنُّتٍ أو تَشَرُّبٍ مُسَطَّح. قالت إنديرا غاندي: «لا يمكنك أن تصافح أولئك الذين يظلون في قبضة مغلقة»... فكيف إذا كانت أذهانهم مُوصَدة قبل القبضات؟