كيلا نصل الى هناك

الخلافات في لبنان، على تجلياتها السياسية وما استتبعها من انهيارات، تتجاوز، في حقيقتها، حدود السياسة الظاهرة والمستترة، لتطاول خلافا في النظرة الى القيم العيا، وربما «النظرة الى الكون والفن والحياة»، بكل ما يترتب على ذلك من نتائج وتداعيات. فـ «العيش المشترك» بين اللبنانيين تعبير يوحي، في بعده الاخير، بحقيقة لا تخفى على قارىء المكتوب من العنوان ... ولربما كان هذا العيش شكل مرحلة للانتقال به الى ما هو أفضل لو توافر له رجال دولة يحسنون قراءة النتائج من مقدماتها. «العيش المشترك» بين اللبنانيين لم يرق بهم الى مستوى وحدة الحياة في ما بينهم. وأسباب ذلك ضاربة في غير عمق، وفي غير اتجاه. فالنظام القائم، في خلفيته العميقة، على ما يمكن تسميته بديموقراطية المخاوف بين الطوائف هو ما يتولد عنه مثل هاتيك «الخطوط الحمر» لحماية المجرمين بحق لبنان، وحق رعايا الطوائف فيه ... وفي مناخ الديموقراطية الشوهاء تلك، تأسست مدارس، لطالما كلنا لها مديحا، استحقته على الجانب التعليمي، الا انها كانت، وفي اغلبها، مدارس دول ضمن الدولة. لكل مدرسة «قيمها»، ونظام فكرها ونظام نهج. والنتيجة تنشئة اجيال على ايقاع غير موحد الرؤية ولا موحد الاتجاه ولا هو، بالتالي، موحد المقاصد، لا في مناحيها الوطنية ولا في الرؤية الى الحياة في غير جانب من جوانبها. ومثل المدارس والنظام السياسي مثل الاحزاب في لبنان. ولا تستغرب، من بعد، وعلى سبيل مثال يوضح المقال، ان يرى رئيس «القوات» وقواته معه شرا للبلاد ما يراه السيد حسن وحزبه خيرا للبلاد والعباد. ولا يفاجئك، من بعد، أن يرى بيت الجميل وكتائبهم في الفلسطينيين شرا على ارض لبنان وان لا دخل للبنان بقضية فلسطين ومتاعبها، في حين يرى «القوميون» ان فلسطين وقضيتها شأن لبناني في الصميم، وذلك على قاعدة ان شرايين الحياة في الامة تدور دورتها الواحدة، وان ما يصيب كيانا من ويل كيانا من كياناتها لا بد ان ينعكس مصابا على سائر كيانات الجسم الطبيعي الواحد. قصارانا مع هذا النظام ومع مواليده بالمساكنة الشرعية أو بالمعاهرة انه لا يمكن ان يكون لبنان واحدا الا بتكاذب وتداجل وشرك في اطروحة «العيش المشترك». والا والا والا، كيف ينظر المراقبون، من دون هوى وهوس، الى ما جرى، مؤخرا، في تظاهرتي المواجهة في التأييد والمناصرة لكل من القاضي عويدات والقاضية عون ؟ الناس منهوبة أموالهم، منهوبة بلادهم، مرمية على قارعة الامم كمتسول يستعطي ما يسد به رمقه وانت ترى، مشدوها، ان بين هؤلاء المتظاهرين من يرفعون الصوت مناصرة لمن يناصر ناهبيهم وقاتلي فرح اطفالهم، ومغتالي مستقبل اجيال لم تولد بعد ؟ اطروحة «العيش المشترك» لطالما كانت الشرك الذي كان يقع فيه من كان يتبادل نصبه لسواه من اصحاب هذه الشركة، التي كل مرة تعلن فيها افلاسه يدفع الثمن المعثرون المنتخبون ناهبيهم. لا قيامة للبنان، لا اليوم ولا غدا، ولا في اخر الدهر الا بفصل الدين عن الدولة خطوة اولية أساسية، والا فباطل الاباطيل وقبض الريح، وتلاويح في الافق لمواكب من الاحزان خلفها مواكب.