هواجسه تتفاقم... الخوف من تسوية على حساب لبنان قائم بقـوة

خلافا للمراحل السابقة يلتزم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط هذه الفترة سقفا سياسيا مهادنا وخطابا هادئا أكثر من اي وقت تجاه الأطراف والقوى السياسية التي لا يتفق معها، فهو يلتزم الصمت ويغيب عن التعليق على احداث بارزة مما طرح تساؤلات عن الانكفاء الجنبلاطي، فالظهور الأخير لوليد بيك كان في اجتماع المجلس المذهبي للطائفة الأسبوع الماضي عبّر خلاله عن استيائه المزدوج من طريقة إدارة ملف التأليف، والمخاوف من الانهيار الوشيك او «لحظة الارتطام» التي اصبحت على الأبواب.

الهواجس دفعت الحزب الاشتراكي الى تحصين بيئته ومتابعة شؤون الناس بتوجيهات مباشرة ودقيقة من المختارة بإنشاء مخازن للمواد الغذائية وحاجات الناس تكفي لأشهر وربما سنوات وللمتابعة الصحية لوضع كورونا في المناطق الدرزية، فلا شيء في حسابات الزعامة الدرزية يوحي بالطمأنينة، وبأن الأمور سوف تمر على خير كما يقول مقربون من المختارة، الخوف الأكبر ان تأتي التسوية الخارجية على حساب لبنان مطروحة دائما.

من هذا المنطلق قام جنبلاط بتراجعات سياسية، فكسر الجمود القاتل مع بعبدا ولا تزال زيارة بعبدا المفاجئة الى قصر بعبدا تطارد جنبلاط في محيطه بعد مرحلة طويلة من الهجوم على رئيس الجمهورية وصلت الى دعوة الرئيس للاستقالة والمغادرة داعيا العهد «لينتحر وحده».

التواصل مع بعبدا حصل على الرغم من الاختلاف السياسي، والكيمياء مفقودة دائما مع رئيس الجمهورية ميشال عون من دون ان يعني ذلك التوصل الى توافق، انما انطلاقا من ضرورة ايجاد مساحة للتقارب وانجاز تسوية ما، على الرغم من ان الأفق مسدود حيث يستحيل ان يمضي وقت طويل من الهدوء بين بعبدا وكليمنصو حتى تندلع المواجهة مجددا، مع انعدام فرص التعايش بين الطرفين الى حين انتهاء الولاية الرئاسية، واذا لم تنجح مساعي جنبلاط للتهدئة فانه سيتجه الى معارضة شرسة.

جولات العنف التي يدعو فيها جنبلاط الرئيس للرحيل والاستقالة محفوظة في الأرشيف وذاكرة اللبنانيين، وما لا يقوله جنبلاط شخصيا يعبر عنه نواب وقيادات الحزب الاشتراكي على المنابر و«الفيديوهات» المتداولة مما يعكس واقع الحال وانعدام فرص التعايش بين الطرفين، فهناك قناعة لدى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ان هناك استهدافا شخصيا له في كل الملفات حصل على خط التأليف قبل فترة عندما حكي عن توسيع الحكومة وتحجيم جنبلاط لتفعيل جبهة خلدة ضده وتقوية خصوم المختارة.

ومع ذلك فان استتباب الوضع اليوم لا يعني إلا الهدنة المؤقتة لزوم المرحلة السياسية المعقدة، ولاحقا تعود الأمور الى مستواها السابق، فالخلاف بين كليمنصو وبعبدا لا يمكن ضبطه بسهولة او ان يصل الى نهاية، فالخلاف عميق وخارج دائرة السيطرة على خلفية الحملات التي يشنها رئيس الحزب الاشتراكي ضد العهد والوزير السابق جبران باسيل من دون مراعاة ضوابط او حفظ الأصول الأدبية للعلاقة.

التجاذب بين كليمنصو وبعبدا يتصل بمزيج من الشخصي القديم الذي يعود الى سنوات حين وصف رئيس الحزب الاشتراكي عودة عون بالتسونامي والحديث المتعلق بالتأليف والحصص الحكومية والانتخابات النيابية، وقد شكل الملف الحكومي والضغط على الرئيس المكلف سعد الحريري في موضوع التأليف وعرقلة التشكيل عاملا استفز المختارة، اذ يعتبر جنبلاط ان العهد يناور مع الحريري لجره الى شروط ووحدة المعايير، ولم يتردد جنبلاط اكثر من مرة في دعوة الحريري الى الاعتذار عن التشكيل بقوله «دعهم يشكلون وحدهم» في إشارته الى العهد وحزب الله، إلا ان جنبلاط يحيد دائما حزب الله ويستثنيه من التصعيد وحفلة التنمر التي يتعرض فيها جنبلاط للعهد والصهر فقط.

أقام الاثنان ربط نزاع هادىء سابقا تعرض دائما للانهيار والسبب هو الكيمياء المفقودة بين جنبلاط وعون ومع الصهر بالدرجة الأولى وقد شهدت العلاقة درجات عالية من النفور والمواجهة بين الجانبين، الامتعاض العوني من أداء الزعيم الاشتراكي يتسلل من الحلقات الضيقة اذ يتحدث العونيون عن علاقة هشة ومعقدة مع رئيس الحزب الاشتراكي الذي لا يجد من يرشقه الا العهد وفريقه وتتوسع حلقة الشكوى العونية من السياسة الى ممارسات سياسية استفزازية واصطفاف ضد العهد.

يؤكد رئيس الحزب الاشتراكي لمن يلتقيهم استحالة التفاهم والتوصل الى قواسم مشتركة مع العهد ويصفه بأسوأ العهود الرئاسية على الاطلاق و قد ذهب الى المطالبة بالتحقيق مع رئيس الجمهورية في قضية انفجار المرفأ على قاعدة محاكمة الجميع من دون استثناءات، وبنظر جنبلاط فالعهد مأزوم وانتهى عمليا لأنه مطوق بالفشل والانهيارات ومع ذلك يريد ان يحصل التأليف وفق قواعده وشروطه فيما أوراق القوة هي لدى الحريري وحده.