يتكوّن تدريجاً اقتناع لدى شريحة واسعة من المقرّبين من الرئيس المكلّف سعد الحريري، بأن الطرف الذي استطاع إسقاط مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في لبنان، يستطيع أيضاً إسقاط كل المحاولات التي قد يقوم بها الحريري بهدف إعادة الحياة إلى المشاورات مع رئيس الجمهورية ميشال عون، من أجل تأليف الحكومة العتيدة وفق «آليات وعناصر جديدة» تتماهى مع الظروف المحيطة بلبنان، وبشكل خاص الأخطار التي تتهدّد معادلة الإستقرار الداخلي، وكذلك، أمن الجنوب، في ضوء «الخطر الإسرائيلي» الداهم، وذلك على الرغم من تعليق «المناورات الإسرائيلية» الأكبر التي تحاكي حرباً مع حزب الله في الجنوب اللبناني.

إلا أن مصدراً سياسياً في «تيار المستقبل»، يكشف عن أن الرئيس المكلّف، والذي تفرّغ على مدى الأشهر الماضية لتأليف حكومة اختصاصيين، من دون أن يتراجع تحت الضغط عن أي من ثوابته في هذا المجال، لن يكون من السهل عليه أن يترك المجال لأي محاولات لإخراجه من المشهد الحكومي، وذلك، بصرف النظر عن كل ما يتعرّض له من حملات في الآونة الأخيرة، تركّز على أنه يفكّر بالإعتذار عن التأليف، وترك هذه المهمة لغيره، على أن يباشر التحضيرات للإنتخابات النيابية المقبلة. ويؤكد المصدر نفسه، أن هامش المناورة بات يضيق أمام الحريري، كما أمام كل الأفرقاء الآخرين، والذين باتوا أمام استحقاق الحسم قبل فوات الأوان، ذلك أن كل هذه الأطراف تسعى، وبكل الوسائل الممكنة، إلى إرساء معطيات تدفع إلى إسقاط أي مبادرة أو محاولة تهدف إلى تذليل العراقيل أمام ولادة الحكومة، خصوصاً وأن التأخير أو الفشل في إنقاذ الوضع قبل الإنهيار الكبير، لن تتحمّل مسؤوليته جهة سياسية واحدة، وبالتالي، فإن خارطة الطريق التي وُضعت للمرحلة المقبلة، تأخذ في الإعتبار مشهدية التجاذب السياسي والإنقسام السياسي، تزامناً مع فوضى الأزمات الإجتماعية والمالية.

ومن هنا، يشير المصدر ذاته، إلى وجوب الإفادة من تجربة المبادرة الفرنسية من أجل عدم إسقاط الفرصة المتاحة لإحداث خرق حقيقي في الملف الحكومي، نتيجة عودة الأطراف الأساسية إلى ممارسة الضغوط، والدفع باتجاه إعداد الأرضية الملائمة لاستئناف النقاش في العقد المعلنة، والتي أدّت إلى قطع التواصل بين قصر بعبدا وبيت الوسط خلال الأشهر الأخيرة.

وبحسب المصدر، فإن الحريري ما زال على إصراره لإحداث تغيير في الواقع السياسي، وذلك، من خلال فتح قنوات الإتصال من جديد مع حلفاء الأمس، بغية مراجعة الخيارات المتاحة في المرحلة المقبلة، لا سيما وأن الوضع الإقليمي والمواجهات المستمرة في القدس، و»الحرب الإسرائيلية» على قطاع غزة، تؤشّر إلى انطلاق زمن التسويات في المنطقة، وعلى نار حامية. ودعا المصدر نفسه، إلى قراءة الواقع السياسي الحالي، معطوفاً على الأزمات المعيشية والإقتصادية والمالية، والذي ينبئ بمشهد قاتم في حال بقيت كل الأبواب مقفلة أمام الإتصالات المحلية والخارجية، وبقي كل طرف متمسكاً ومحاصراً بمواقفه المعلنة، ولذلك، لن يكون من الممكن لأي فريق معني بالعملية الحكومية، أن يبقى متفرّجاً، وأن لا يبادر إلى القيام بخطوات سريعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.