الحلّ في «تسوية داخلية جديدة» بدلاً من أن «يُلغى سياسياً»


يبدو أنّ الرئيس المكلّف سعد الحريري يتردّد في اتخاذ أي موقف نهائي حتى الآن كونه يجد نفسه في مأزق «تحمّل المسؤولية»، أكان مضى في تشكيل الحكومة أو قدّم اعتذاره عن التأليف. ولهذا نغفو في لبنان على أمل ولادة الحكومة قريباً بعد عودة الحريري من الإمارات العربية واجتماعه برئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الذي يسعى الى حلحلة العقد أمام التشكيل، لا سيما تسمية الوزيرين المسيحيين اللذين سيتولاّن وزارتي الداخلية والعدل، ولقائه أيضاً برؤساء الحكومات السابقين، كما ب «كتلة المستقبل» النيابية والتداول في آخر المستجدّات والتطوّرات فيما يتعلّق بمسار ملف تشكيل الحكومة الجديدة.

وتقول مصادر سياسية مطّلعة بأنّ تشكيل الحكومة أو الإعتذار من قبل الرئيس المكلّف في هذا الوقت بالذات دونه عقبات وعراقيل كثيرة. فعدم رضى السعودية على ترؤس الحريري الحكومة المنتظرة، وانعدام الثقة بينه وبين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وفريقه السياسي، وعدم قدرته بالتالي على تغيير الأكثرية لصالحه رغم تحالفاته الداخلية والخارجية، أو تشكيل حكومة غير سياسية وغير حزبية من المستقلّين.. كلّها أمور تدلّ على إمكانية عدم نجاحه في الحكومة التي لا يزال «عاجزاً» عن تشكيلها حتى الآن. فالحكومة المنتظرة والتي يُفترض أن تستمر حتى نهاية العهد الحالي أي لمدّة سنة وأربعة أشهر، عليها القيام بمهمّتين أساسيتين: الإصلاحات والإنتخابات... فضلاً عن الخلاف على تسمية وزيري «الداخلية» و»العدل» الجديدين، يبقى على حاله، كون الأول سيُعنى بإجراء الإنتخابات النيابية المقبلة، والثاني بمسألة التدقيق الجنائي، وذلك رغم تقديم برّي لاقتراحات عدّة، كأن يُسمّي كلّ من الرئيس عون والحريري 10 أسماء لكلّ حقيبة ويتمّ الإختيار من بينها اثنين، أو عن طريق السحب بالقرعة.. وهذا الأمر الخلافي وحده يكفي لعرقلة التشكيل في ظلّ انعدام الثقة بين الحريري والرئيس عون.

فالإصلاحات أولاً بعد رفع الدعم عن المحروقات والسلع الأساسية واستبداله بالبطاقة التموينية (أو التمويلية)، التي تطال 750 ألف أسرة فقط وتحتاج الى تمويل من مصرف لبنان أو الدولة، ومن غير المؤكّد، تضيف المصادر،أنّه سيتمّ تطبيقها بشفافية وعدل، ومن دون دعم خارجي في الوقت نفسه، لا يُمكن أن تتحقّق على النحو الذي يريده الحريري. فمنذ تكليفه برئاسة الحكومة والتأليف في 22 تشرين الأول الماضي، أعلن أنّه «عازم على وقف الإنهيار»، فهل سيتمكّن من القيام بذلك من دون التفاف داخلي حوله، أيّاً يكن نوع الحكومة التي سيُشكّلها، ومن دون دعم خارجي بالتالي قد لا تؤيّده السعودية لكي لا ينجح في مهمّته؟

أمّا فيما يتعلّق بإجراء الإنتخابات النيابية، فإنّ الوقت، على ما أوضحت المصادر، لم يعد يسمح بإجراء إنتخابات مُبكرة، على ما تُنادي بعض الأحزاب المسيحية، لهذا فإنّها ستجري على الأرجح في موعدها. ولكن إذا حصلت وفق القانون الإنتخابي الحالي، فإنّ غالبية الوجوه نفسها ستعود، في حال لم تقم الأحزاب بتبديلها من تلقاء نفسها... وترىبأنّ خسارة بعض الأحزاب لعدد من المقاعد وربح أخرى لعدد أكبر من السابق، لن يُقدّم أو يؤخّر في شيء. فالهدف من إجراء الإنتخابات، على ما يأمل المنتفضون الفعليون في الداخل، فضلاً عن المجتمع الدولي، هو إحداث التغيير، واستبدال الأكثرية الحاكمة بنوّاب مستقلّين يُمثّلون الشعب اللبناني. من هنا، سيكون الحريري أمام مأزق تحمّل مسؤولية عدم حصول التغيير المطلوب في المجلس النيابي.

أمّا إذا شاء الحريري وضع قانون إنتخابي جديد للإنتخابات النيابية أو تعديل القانون الحالي، على ما أشارت المصادر نفسها، بهدف توسيع النسبية كونها تؤدّي الى التمثيل الصحيح للشعب، فإنّ الوقت المتبقّي لموعد الإنتخابات المقبلة المقرّرة في أيّار 2022 (أي نحو 11 شهراً)، قد لا يكون كافياً سوى للقيام بهذا الأمر. وعندها ستكون حكومته الرابعة في تاريخه السياسي»حكومة مواكبة الإنتخابات»، وليس «حكومة تحقيق الإصلاحات الموعودة»، كون النقاش في القانون سيستنفد جهود السلطتين التنفيذية والتشريعية منذ تشكيلها وحتى موعد الإنتخابات. كما أنّ الكتل النيابية قد لا تُوافق جميعها على وضع قانون إنتخابي جديد يُلغي مقاعدها أو يمسّ بحجم وجودها في البرلمان، الأمر الذي من شأنه تعقيد فكرة وضع قانون إنتخابي جديد أو حتى تعديل القانون الحالي.

وفيما يتعلّق باعتذار الحريري وترك التكليف لرئيس الحكومة السابق تمّام سلام، أو وزير الداخلية والبلديات اللواء محمد فهمي، على ما يجري التداول به، فإنّ هذا الأمر سيُلغيه سياسياً، على ما أكّدت المصادر عينها لأسباب عدّة:

1- بسبب إعاقته تشكيل حكومة السفير مصطفى أديب بعد استقالة حكومة حسّان دياب بعد 6 أيّام على انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي، ورفضه بالتالي «تعويم حكومة دياب»، كون هذه الخطوة تعني «سحب تكليفه» بتشكيل الحكومة ضمناً.

2- لأنّ اعتذار الحريري اليوم سيحمّله مسؤولية كلّ ما حصل ليس منذ استقالة حكومة دياب فحسب، إنّما منذ استقالته هو بعد أيّام على انتفاضة 17 تشرين الأول من العام 2019، من دون التشاور مع جميع الأطراف السياسية التي أدّت الى التسوية الرئاسية وأوصلت العماد ميشال عون الى قصر بعبدا، وأعادته هو الى السراي الحكومي. فمنذ استقالته هذه، تدهور الوضع الداخلي أكثر فأكثر، ووصلنا الى الأزمة الإقتصادية والمالية والمعيشية والإجتماعية الحالية، والى انهيار القيمة الشرائية لليرة اللبنانية مقابل العملات الأجنبية ولا سيما الدولار الأميركي.. أمّا الظروف العامّة فجعلت حكومة دياب تهتمّ فقط بوقف تفشّي وباء «كورونا» في البلد، وقد اصطدمت بعراقيل داخلية وخارجية عدّة منعتها من تحقيق الإصلاحات اللازمة.

وتقول المصادر عينها،بأنّ رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط، كان نصح الحريري بالإعتذار منذ أشهر عدّة، كما رفض بداية تكليفه تشكيل الحكومة، مشيراً الى أنّ «هذا لصالح الحريري لكنّه أخذ المسألة شخصية». وانطلق جنبلاط في موقفه هذا من أنّ المكوّنات السياسية في لبنان قد وافقت خلال الإجتماع مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الصنوبر مطلع أيلول الماضي، أثناء زيارته الثانية للبنان، على تشكيل حكومة أخصّائيين وألاّ يتم تسمية سياسيين فيها، وعلى رئيس الحكومة بالتالي أن يكون من هؤلاء الإختصاصيين وليس من السياسيين الذين طالب الشعب بتغييرهم، وقد استقال الحريري من الحكومة تلبية لمطلب هذا الشعب نفسه. لكنّ جنبلاط عاد وبدّل موقفه في اللحظة الأخيرة، وسمّت كتلته الحريري لكي لا يُتهم بالعرقلة، إلاّ أنّه دعاه لاحقاً للإعتذار عن التشكيل بعد أن اصطدم الحريري بعراقيل التأليف الداخلية والخارجية رغم ما وعد به عن وقف الإنهيار.

أمّا التوافق الذي يجري حالياً بين الأحزاب السياسية على تسمية وزراء مستقلّين غير حزبيين، فيجعل الحكومة الجديدة، على ما عقّبت المصادر، سياسية بامتياز، وإن كانت تضمّ «مستقلّين»، كون هؤلاء يتبعون للقوى السياسية المعروفة نفسها ويمثّلونها في الحكومة. من هنا، تجد المصادر أنّه لا بدّ من «تسوية داخلية جديدة» تودي الى تحقيق الإصلاحات الفعلية من دون وضع العراقيل بهدف إنقاذ البلاد في أسرع وقت ممكن، بعيداً عن الفساد وتحقيق المصالح الشخصية على حساب الوطن والشعب.