المكارثية في يومياتنا اللبنانية . كل من يتعاطف مع السياسات الايرانية، اما عميل أو متواطئ أو ... خائن!!

ما معنى المكارثية ؟ في الفترة الممتدة بين عامي 1947 و1957، أطلق السناتور جوزف مكارثي حملة عشواء ضد الوجوه الليبرالية البارزة في الولايات المتحدة بدعوى التبعية للاتحاد السوفياتي، وتحت الشعار الذي استقطب فئات واسعة، ومؤثرة، من الأميركيين : «الشيوعية ديانة تبغي اجتثاث المسيحية من بلادنا».

اذا اعتقل أكثر من 200 شخصية من الصفوف الأولى، جرى التنكيل بنحو 10000 آخرين، لا سيما في وزارة الخارجية، وطردوا من وظائفهم. وكان من أبرز الضحايا جورج مارشال، ومارتن لوثر كينغ، وتشارلي شابلن، وآرثر ميلر، وحتى ... ألبرت اينشتاين.

الحقبة السوداء أرخت بظلالها زهاء عقد من الزمان، قبل أن يقود الحملة المضادة صحافي انتحاري يدعى ادوارد مارو، لتتلاشى، تدريجاً، شعبية مكارثي، وليموت في الظل بعدما أدمن الماريجوانا، وأصيب بالبارانويا، حتى أنه كان ينتظر أن يزوره الله من شق في سقف غرفته.

المكارثية عندنا تذهب الى حد اتهام قوى، وشخصيات سياسية، واعلامية، بتحويل لبنان، كذلك سوريا، الى حالة ايرانية، كما لو أن المنطقة، أو أكثرها على الأقل، ليست في القبضة الأميركية.

بطبيعة الحال، حزب الله محور تلك الاتهامات. هو الذراع الحديدية لايران، وهو يسعى لتغيير النظام واقامة نظام ثيوقراطي، كما لو أن لبنان ليس بالدولة المركبة، بالتوازنات الطائفية الفائقة الحساسية، وحيث يستحيل على أي فئة الاستئثار بالسلطة أو بالرأي.

البعد الأميركي في المشهد اللبناني أكثر من أن يكون صارخاً، والا هل كان باستطاعة الجنرال كينيث ماكنزي أن يحتسي النبيذ وسط ترحيب حار في احدى قرى البقاع الغربي، وهو الذي تشمل قيادته المركزية 20 دولة في الشرق الأوسط، بما في ذلك مصر، وآسيا الوسطى، اضافة الى بعض الجنوب الآسيوي ؟

منذ أيام الفينيقيين، وربما منذ بدايات الخليقة، لم يفترق لبنان عن سوريا، لا في التاريخ  ولا في الجغرافيا.

التركيبة الديموغرافية مختلفة. في لبنان كونسورتيوم طوائفي. في سوريا ثمة أكثرية سنية كاسحة. الفارق هنا أن الأحزاب الرئيسية التي ظهرت فيها، وكان لها حضورها الفاعل على الساحة السياسية (حزب البعث، الحزب السوري القومي، الحزب الشيوعي)، هي أحزاب علمانية باستثناء «الاخوان المسلمين».

ثمة هوة ثقافية، وتاريخية، وحتى سيكولوجية، تفصلنا عن ايران. لا سبيل للمحكاة لا في البنية الايديولوجية، ولا في البنية السياسية. ما المانع أن تتقاطع مواقف قوى لبنانية مع مواقف طهران في النظرة الى أميركا و»اسرائيل». حدث ذلك ابان الحقبة الناصرية، حتى أن ياسر عرفات تمكن من استقطاب نصف اللبنانيين تقريباً قبل أن يكتشف حتى الحلفاء أنه يضع الورقة اللبنانية في مهب الريح، ان لم يكن في مهب الدم.

ما يجمع الكثيرين من اللبنانيين مع ايران يتعلق بالموضوع الفلسطيني، دون التماهي، ودون التلاشي، في أي حال، مع الحالة الايرانية.

نحن مهددون، ومنذ عام 1948، وحين اقتطعت سبع من قرانا، من البربرية الاسرائيلية. أمامنا ما يحدث للفلسطينيين، في هذه الأيام، وفي كل الأيام . هل من دولة في التاريخ اقتلعت شعباً بأكمله من مدنه، ومن حقوله، ومن منازله، ليقول أنطوني بلينكن أنه يحق «للاسرائيليين» أن يدافعوا عن أنفسهم ؟ ضد من ؟ ضد أهل الأرض...

التهمة الكاريكاتورية هي «الانفصال عن الحالة العربية» والالتحاق بـ «الحالة الايرانية». أين هي «الحالة العربية» ؟ ولدنا، ونموت، والعرب ضد العرب. كلبنانيين، أرغمنا الأشقاء على توقيع اتفاق القاهرة (1969)، نسأل أين كان العرب حين دق آرييل شارون، بحذائه، على أبواب القصر الجمهوري ؟ العلاقة مع ايران فقط لمؤازرتنا في دحر الاحتلال وفي ارساء توازن الرعب مع من دعاهم ادوار سعيد «ذئاب أورشليم».

لبنانيون، كما ينبغي أن يكون اللبنانيون . عرب كما ينبغي أن يكون العرب...