من غير المنطقي في لبنان وبالنظر لما يجري في هذه البلاد، أن أشيح بوجهي على الأوضاع المتفاقمة فيه وأتناول اليوم موضوع المجزرة التي وقعت ليل أمس في بوركينا فاسو أو غيره من الموضوعات التي تحتل الصدارة في وسائل الإعلام إنعكاساً لتفشي الأوبئة والأزمات العنصرية والصحية والإقتصادية والأخلاقية تحت قناع الهوية القومية الدينية، وكأن العالم نسي الحروب العالمية التي أشعلتها الدول الأوروبية باسم هذه الهوية. ولكن ماذا نقول عن لبنان وهل بقي أمر خافٍ لم تكشفه الأقلام ويفككه المحللون والمحاضرون على منصات القنوات التلفزيونية؟

أقتضب فأقول أن اللبنانيين يعانون من آثار هزيمة الحركة الوطنية اللبنانية وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في نهاية سنوات 1970 (سبعينيات القرن الماضي)، هذه الهزيمة التي تجسدت بالغزو الإسرائيلي واحتلال نصف البلاد. يتوجب القول هنا، أن المنهزمين يتحمّلون دائماً المسؤولية عن هزيمتهم . ولكني لستُ الآن في معرض البحث في هذه المسألة، فأكتفي فقط بالإشارة إلى أنهم في لبنان لم يلقوا أية محاسبة وطنية، وإنما أخلوا الساحة، أو بتعبير أدق طردوا منها وحلّت مكانهم في نهاية الثمانينات (1980) أطراف أخرى انتحلت في الواقع أدواراً إجتماعية تحديثية وتقدمية تحريرية طيلة فترة تميزت بالإبتهاج غير العقلاني وتقبل الأوهام والإستسلام للإغراء، ألغيت خلالها القيم والموازين وانقلبت الأمور رأساً على عقب . لم يظهر الخداع والغش يا للأسف، إلاّ بعد فوات الأوان، حيث وجدت الطوائف نفسها مقيدة بالنظام الطائفي بأساليب ووسائل أكثر شدة ووحشية من تلك التي كانت من قبل عصيان الحركة الوطنية سنة 1975.

في الواقع أخذ كل من ملوك الطوائف بخناق أبناء طائفته، فجعل لنفسه كياناً طائفياً يستخدمه بطريقة تعسفية ملغٍ عملياً الكيان الوطني أو ما تبقى منه بعد أن قُمع العصيان اللبناني- الفلسطيني، وبعد أن انسحبت قوات الغزو الإسرائيلي، حيث توزع الملوك موارد الدولة وأنشأوا فروعاً لمؤسساتها في مناطق نفوذهم . هذه حقيقة كانت ملموسة تحملها اللبنانيون طوعاً أو كرهاً.

ولكن من المعلوم في هذا السياق، أن الأزمات في لبنان هي دائماً داخلية وخارجية في آن . إن ما جرى في سنوات 1970 كان أصله فلسطينياً - لبنانياً، ولا شك في أن المناورات التي شهدها في ما بعد على مدى الثلاثين سنة الماضية كانت الغاية منها إلغاء الدولة في سورية وتقسيم البلاد.

الإشكال هو في أن ملوك الطوائف الذين أقحموا البلاد في هذه المناورات لم يكونوا في جبهة واحدة وإنما تعاون بعضهم مع أعداء سورية، بينما هب فريق منه لمؤازرة الدولة السورية ذوداً عن البلاد . وظِّفت الطوائف اللبنانية في الحرب الدائرة في سورية !

مجمل القول، أن اللبنانيين في حالة حرب بطريقتهم الخاصة . هناك فريق يدعم سورية في مقابل فريق آخر يتولى منعه من إيصال الدعم إليها . هكذا تبخر الدولار واختفت المحروقات والطحين وغير ذلك من المواد التموينية حتى لا ترسل أو تهرّب إلى سورية . ينجم عنه أن اللبنانيين يعيشون الحرب على سورية مثلما عاشوا الحرب على الفلسطينيين، بإدارة توكل بها زعماء الطوائف !