الحريري بعد لقاء دار الفتوى... من الاعتذار الى تكريس المرشّح الاوحد

هل طرح الرئيس المكلف سعد الحريري فكرة الاعتذار جديا، ام انه اراد ان يرمي هذه الورقة كما فعل قبل اسابيع قليلة بكل الاتجاهات، بعد ان شعر انه بحاجة الى جرعة منشطة لمواصلة معركته مع خصمه اللدود اليوم جبران باسيل؟

المحيطون به يقولون انه وضع الاعتذار على الطاولة، وانه لم يسحب هذه الورقة حتى الآن، لكن السياسيين المتعاطفين معه والذين على دراية بظروف اثارة وطرح هذا الموضوع، يؤكدون ان الحريري لن يقدم على هذه الخطوة في فترة قريبة ، وانه مقتنع بان الاعتذار اليوم في ظل الظروف الصعبة والخطيرة التي يعيشها البلد ليس مجرد خطوة عادية، لذلك فان حسمها يحتاج الى مشورة المراجع والجهات السياسية الفاعلة والموثوقة التي نصحته بعدم الاعتذار في الوقت الراهن.

ويقول سياسي مخضرم على خصومة اليوم مع العهد بلغة ساخرة ردا على سؤال حول احتمال اعتذار الحريري « في تشرين الثاني المقبل». بينما يكتفي مصدر نيابي مطلع في دلالة على استبعاد الخطوة بالقول « في يوم ما «.

ووفقا للمعلومات المتوافرة، فان الحريري اراد من هذا الطرح ان يضرب عصفورين بحجر واحد: اختبار ردود الفعل على الساحة الساسية عموما، وفي الوسط السياسي السني خصوصا، بالاضافة الى ارسال رسالة للخصوم لتأكيد قوته وحضوره اولا، وللرد على المناورات التي حصلت مؤخرا بالتلويح بمرشحين آخرين جاهزين لرئاسة الحكومة والتي يتهم النائب جبران باسيل بانه خلفها.

وتضيف المعلومات ان ما صرح به الحريري عن علاقته « التكاملية « مع بري، عبّر عنه بطريقة اخرى في اجتماع المجلس الاسلامي الشرعي الاعلى في دار الفتوى، وخلال لقائه مع المفتي دريان عندما طرح فكرة الاعتذار.

وبات معلوما ان الاتجاه الغالب هو لصالح الاستمرار بالتكليف وعدم الاقدام على الاعتذار  في الوقت الراهن، وهو الموقف نفسه الذي سمعه بوضوح من رئيس المجلس الذي حذّر من التداعيات والمضاعفات التي قد تنجم عن مثل هذه الخطوة في ظل الانهيار الكبير الذي نشهده، مشددا على اننا بامس الحاجة لكسب الوقت بدلا من اضاعته.

وبرأي مصدر سياسي مطلع ان الحريري حقق من خلال حركته الاخيرة نقاطا مهمة لصالحه ابرزها :

- تأمين غطاء سني روحي وسياسي واسعين من خلال موقف اجتماع دار الفتوى الذي جدد التأكيد على دعمه ومساندته معركة الحكومة.

- اكد تكريس نفسه كمرشح أوحد لرئاسة الحكومة، واستبعاد اي مرشح بديل حتى اشعار آخر.

- اجهض المحاولة التي يقال ان باسيل بدأ الاعداد لها لحمله على الاعتذار والاتيان برئيس حكومة بديل.

- أكد التزامه بمبادرة بري وانجاحها، اولا من خلال تجاوبه مع رغبته بالاستمرار في التكليف وعدم الاعتذار، وثانيا في افساح المجال امام مواصلة المساعي لتاليف الحكومة رغم الانتكاسة التي تعرضت لها بعد لقاء الخليلين مع باسيل في البياضة.

وفي اعتقاد المصدر ايضا، انه في ظل محاولة رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل استخدام ازمة العلاقة بينه وبين القيادة السعودية، نجح الحريري في اخذ شحنة منشّطة محليا من خلال تكريس الغطاء السني له، وتأكيد دعم تكليفه لتشكيل الحكومة من أغلبية سياسية واسعة، تتمثل بالثنائي الشيعي وجنبلاط و»المردة» وكتل نيابية صغيرة بمن فيهم نواب من اعضاء «اللقاء التشاوري» السني الذي اهتزّ كيانه بقوة مؤخرا.

ومما لا شك فيه، ان الحريري مرتاح اليوم اكثر من اي يوم مضى للعلاقة المتينة التي تربطه ببري، لذلك له ملء الثقة به وبما قام ويقوم به على صعيد السعي لتأليف الحكومة، من هنا تؤكد مصادره، انه ابدى مؤخرا اكبر قدر من المرونة لتسهيل ونجاح مبادرته الاخيرة، وهو مستعد للتجاوب مع كل اقتراح او صيغة يطرها لتسهيل الحل.

وفي هذا الاطار، تعتقد مصادر مطلعة ان بري سيواصل جهوده في الايام المقبلة ، وانه لن يحدد مبادرته في نسختها الثالثة بجدول او روزنامة زمنية معينة، بقدر ما يريد ان يسابق الزمن لكي لا تسقط البلاد في الفوضى والمجهول، مع تأكيده كما عبّر امس، على المضي بها حتى النهاية.

وتشير المصادر الى ان مبادرة بري الاخيرة للتصويب مرتين:

- الاولى: عندما فشل الثنائي الشيعي في اجتماع البياضة الاخير في اقناع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بالموافقة على اقتراح من عدة اقتراحات لحل عقدة تسمية الوزيرين المسيحيين وتخليه عن قرار حجب الثقة المسبق عن الحكومة.

الثانية: عندما بادر من دون اي مبرر الى انتقاد بري بصورة غير مباشرة باتهام المجلس النيابي بالتقصير في مناقشة واقرار البطاقة التمويلية.

ويعكس موقف باسيل رغبته الصريحة في اجهاض مسعى بري، خصوصا في ظل الحديث المتنامي مؤخرا بانه وراء التلويح بمرشحين لرئاسة الحكومة بدلا من الحريري، وتشجيعه لاكثر من مرشح على التحرك في هذا الاطار، ابرزهم النائب فيصل كرامي الذي نشط في الايام الماضية. كما سبق ودار همس في الاروقة السياسية عن ايحائه ايضا بدعم ترشيح النائب فؤاد مخزومي.

ويقول مصدر نيابي مطلع، ان باسيل تلقف دعوة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لاقرار البطاقة التمويلية لاطلاق تغريدته ضد مجلس النواب، لكنه وقع في خطأ واضح، لان تغريدته جاءت بعد ان كان دعا بري الى جلسة للجان المشتركة من اجل درس واقرار مشروع قانون البطاقة التمويلية مع مشاريع واقتراحات اخرى ابرزها قانون الشراء العام.

ويضيف المصدر ان المجلس لم يتأخر في اقرار العديد من القوانين الملحة، مذكرا ان بري طالب الحكومة اكثر من مرة بارسال مشروع قانون البطاقة التمويلية قبل ان ترسله مؤخرا الى المجلس، وقبل ان يتقدم تكتل التيار باقتراحه في هذا الصدد.

ويذكر ايضا ان اكثر من ٧٠ قانونا لم تبادر الحكومات المتعاقبة ومنها الحكومة الحالية على تنفيذها قبل وبعد الاستقالة، الامر الذي جعل رئيس المجلس يطلق الصرخات المتتالية للضغط من اجل تنفيذها، خصوصا ان العديد منها ضروري وملح ويساهم في الاصلاح ومكافحة الفساد والتصدي الى بعض جوانب الازمة.

وبرأي المصدر، ان باسيل اخطأ في العنوان عندما حاول توجيه الاتهامات للمجلس ، متجاهلا عن قصد ان تعنته ساهم ويساهم بنسبة كبيرة في تفشيل المساعي لتشكيل الحكومة منذ اكثر من سبعة شهور، ومتناسيا كيف كان يصرح ونواب كتلته مشيدا بقرارات المجلس وانجازاته بعد كل جلسة عامة لقطف ثمارها.