اللبنانيون ضاقوا ذرعاً واستمرار الأزمة تدفعهم الى الهجرة بحثاً عن فرص العمل

بعد كلّ ما يحصل في البلد من أزمة إقتصادية مستمرّة وعودة الدولار الأميركي الى الإرتفاع الجنوني وتخطّيه الـ 16000 ل.ل. مقابل انخفاض القيمة الشرائية لليرة اللبنانية، وصولاً الى حدّ تظاهر الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة الحالية في الشارع الى جانب الإتحاد العمّالي العام ضدّ نفسها.. وبعد ما جرى أخيراً من تراشق بيانات إستفزازية بين بعبدا وعين التينة، وقبلها بين بعبدا وقريطم، لا يبدو في الأفق أنّ أي حكومة ستُشكّل لا قريباً ولا مستقبلاً، أو أن الرئيس المكلّف سعد الحريري سيعتذر عن التكليف.

فالفوضى العارمة التي تشهدها البلاد على مختلف المستويات، إن على صعيد الغلاء الفاحش اليومي للأسعار، أو فقدان الدواء، و»التقنين» في الكهرباء، كما في الحصول على المحروقات وسواها، الى الإضراب العام في الشارع وقطع الطرقات.. هذه الفوضى مرشّحة للإستمرار وللتصاعد يوماً بعد يوم، على ما أكّدت أوساط ديبلوماسية مطّلعة، رغم إصرار دول الخارج على عدم وصول لبنان الى الإنهيار الشامل، حيث أكّدت أنّ الذهنية الكيدية التي تتحكّم اليوم بعقول المسؤولين السياسيين ستؤدّي حتماً الى بقاء الوضع السياسي في لبنان على ما هو عليه حتى نهاية عهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، في حين أنّ صفاء النوايا والنفوس من شأنه تشكيل الحكومة المطلوبة في غضون أسبوع ليس أكثر. علماً بأنّ كلّ المعطيات تشير حتى الآن، الى استحالة حصول التوافق بين فريقي النزاع أي بين عون وفريقه السياسي وبين الحريري وتيّاره، فضلاً عن الخلافات المستجدّة بين عون ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، وبين «التيّار الوطني الحرّ» وحزب الله، رغم أنّ مبادرة برّي لا تزال مستمرّة، على ما أعلن، كونه يريد لها النجاح رغم كلّ العراقيل.

واشارت الاوساط الى الحلول لمشاكل اللبنانيين يجري حلّها ليس بشكل رسمي إنّما بشكل منفرد، إمّا عن طريق تأقلم كلّ مواطن مع الوضع الجديد، وهذا الأمر يؤدّي الى حرمانه وحرمان عائلته وأولاده من الكثير من السلع والحاجيات الضرورية، أو عن طريق المجموعات اللبنانية في الخارج التي تخشى على مصير عائلاتها الباقية في لبنان، فتتحرّك لإنقاذ فئة معيّنة... فيما يحتاج البلد الى حلول جذرية والى إصلاحات شاملة لا يُمكن أن تحقّقها أي مساعدات إنسانية مشكورة من دول الخارج، ولا أي مؤتمرات خارجية دولية أو إغترابية كونها تعطي حلولاً مؤقّتة.. بل تشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن، على ما تُطالب دول الخارج، تقوم سريعاً على تحقيق الإصلاحات وتقديم المعالجات الفورية للمشاكل التي يتخبّط بها الشعب اللبناني بعد أن أصبح الحدّ الأدنى للأجور نحو 30 دولار، ما جعل لبنان من بين الدول الأدنى مرتبة في العالم على هذا الصعيد، والى تفكير أكثر من 250 ألف حامل شهادة جامعية بالهجرة بحثاً عن فرصة عمل في الخارج.

وبرأي الاوساط، إنّ لبنان لن يجد طريقه الى النهوض الإقتصادي والمالي والمعيشي مجدّداً من دون حصول تسوية جديدة. وهذه التسوية بات من المستحيل أن تحصل على الصعيد الداخلي، لا سيما بعد كلّ المناكفات السياسية التي لا تخجل الطبقة السياسية بالإستمرار بها من أجل مقعد بالزايد أو مقعد بالناقص، في الوقت الذي يئنّ فيه الشعب اللبناني بعد أن كان يعيش بشكل أفضل من دول عدّة في المنطقة. لهذا لا بدّ من دخول طرف خارجي على خطّ هذه التسوية التي يحتاجها لبنان اليوم بشكّل أكثر من ملحّ، سيما وأنّ الأطراف الساسية الداخلية منشغلة بالتناحر الإعلامي وبتخوين بعضها البعض، أو باتهام الطرف الذي يتحرّك لتقديم الإقتراحات بالإنحياز..

وتقول الاوساط بأنّ مصر التي تحرّكت اخيراً لتقديم المساعدات الإنسانية للجيش اللبناني، كما قدّمت مساعدات عينية للشعب اللبناني بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي، من بين دول عربية وأجنبية عدّة قدّمت له المساعدات، والتي تؤيّد الحريري في رئاسة الحكومة، يُمكنها أن تلعب دور الوسيط الخارجي لعقد التسوية الجديدة. غير أنّ مثل هذا القرار يتطلّب موافقة دول عربية أخرى لا سيما السعودية التي تقوم حالياً بالتقارب والتفاهم مع إيران، ويؤمل من هذا الأخير أن تُوافق على ترؤس الحريري للحكومة الجديدة، خصوصاً وأنّها لم تنجح حتى الآن في تقديم أي بديل عنه يُمثّل الطائفة السنيّة في البلاد.

وأضافت الأوساط عينها، أنّه بإمكان جامعة الدول العربية التي تقف اليوم «شبه متفرّجة» على الوضع السياسي، باستثناء تقديم بعض الدول فيها المساعدات الإنسانية للشعب اللبناني التي يُصبح بغنى عنها في حال تشكّلت الحكومة ونفّذت الإصلاحات الهيكلية المطلوبة، أن تعقد اجتماعاً طارئاً على مستوى وزراء خارجيتها لوقف الإنهيار فيه وإيجاد حلّ للأزمة اللبنانية الراهنة. وذكّرت بما حصل في كانون الثاني من العام 2008 عندما كلّفت الجامعة العربية الأمين العام للجامعة آنذاك عمرو موسى تفعيل الخطة التي اتفق عليها وزراء الخارجية العرب، ومن ضمنهم لبنان، لتسوية الخلافات بين المعارضة والموالاة بشأن عدد من الملفات، وتوجّه الى بيروت للبحث مع الأطراف اللبنانية في سبل تنفيذها. وقد أدّت في أيّار من العام نفسه الى «اتفاق الدوحة» والى انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية حصل فيها الرئيس على كفّة الترجيح. وقد خرج لبنان يومها من حالة الفراغ الرئاسي التي دخلها مع انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود بسبب الخلافات السياسية بين الموالاة والمعارضة وتأجيل الجلسة النيابية المقرّرة لانتخاب رئيس البلاد 11 مرّة.

وصحيح بأنّ لبنان لا يعيش فراغاً رئاسياً تضيف الاوساط ، وأنّ ثمّة حكومة مستقيلة تصرّف الأعمال، ومجلس النوّاب يقوم ببعض التشريعات، وبأنّ مفاعيل الخطّة العربية المذكورة لم تدم سوى سنوات عدّة، غير أنّ اللبنانيين لم يعد بإمكانهم احتمال المعاناة التي تطال حياتهم اليومية والمعيشية، ما يُساهم بتجويعهم وتفقيرهم وتهجيرهم أكثر، فيما يتمّ تأجيل الحلّ في انتظار توافق القوى السياسية أو انتظار التسويات الإقليمية والدولية. فقمّة الرئيسين الأميركي جو بايدن- والروسي فلاديمير بوتين وضعت ملف الشرق الأوسط على الطاولة، ومن ضمنها لبنان، والتفاهم السعودي- الإيراني لا بدّ وأن ينعكس بشكل إيجابي على لبنان، وأن نرى بالتالي ترجمة هذين الأمرين سريعاً على أرض الواقع، إذ لم يعد بإمكان اللبنانيين أن يصبروا لوقت أطول بعد.

من هنا، أكّدت الأوساط نفسها أنّ شهر تمّوز المقبل قد يحمل في طيّاته، حصول هذه التسوية الجديدة، خصوصاً إذا ما هدأت النفوس وتغيّرت لغة التخاطب بين السياسيين. فالدول العربية والإقليمية والأجنبية باتت تستشعر ثقل الوضع الداخلي اللبناني وأثره المدمّر على اللبنانيين وانعكاسه بالتالي على المقيمين على أرضه لا سيما النازحين السوريين (وعددهم نحو مليون ونصف) واللاجئين الفلسطينيين (وعددهم نحو نصف مليون)، واليد العاملة الأجنبية التي غادر أكثر من 250 ألف منها من مختلف الجنسيات.. ولهذا تجد أنّها ستتحرّك لوقف الإنهيار الشامل في البلاد من خلال قطع دابر الخلافات السياسية، إمّا عن طريق فرض العقوبات المشدّدة على بعض الشخصيات السياسية، أو من خلال الضغط عليها للذهاب نحو تسوية جديدة.