لا يُمكن للحريري ضمان عدم استقالة حكومته في ظلّ فقدان الثقة

لا يزال المنطق الطائفي يتحكّم بحسابات المسؤولين السياسيين في لبنان بدلاً من الالتزام الوطني، الأمر الذي يحول دون تشكيل حكومة الإصلاحات المنتظرة التي ستقود البلد الى طريق التعافي المنشود. ويسعى هذا المنطق لتغيير ما هو سائد، إمّا من خلال تقاسم السلطة من قبل الطوائف السنيّة والشيعية والمسيحية دون سواها من المذاهب، واما من خلال إعطاء الشيعة بمفردهم الثلث، والمذاهب الإسلامية الأخرى مجتمعة الثلث، والثلث المتبقي للمذاهب المسيحية كلّها. غير أنّ تطبيق هذا المنطق لا يجوز في ظلّ بلد التعايش المسيحي- الإسلامي، النموذجي في منطقة الشرق الأوسط الذي تتعايش فيه مذاهب عديدة من جميع الديانات والطوائف يبلغ عددها 18.

عن هذا الموضوع، تقول مصادر سياسية عليمة بأنّ الرئيس المكلّف سعد الحريري لا يريد تخريب العلاقة السنيّة- الشيعية القائمة اليوم بينه وبين «الثنائي الشيعي»، ويريد بالتالي اعتبار المسيحيين الطرف الثالث الذي يُشاركهما الحكم وليس الثاني، أي أنّه يُفكّر بعقلية المثالثة لا المناصفة، لا سيما بعد أن أصبح عدد المسيحيين في لبنان لا يتعدّى نسبة الـ 33 % بعد أن كان في الماضي 65 %. ولهذا يرفض الحريري إعطاء «الثلث المعطّل» للفريق المسيحي الذي يحقّ له، «بحسب التقسيمات الجارية»، نسبة الى حجم تمثيله في المجلس النيابي، الأمر الذي يجعل الجمود الحكومي والسياسي في البلد يُرواح مكانه رغم كلّ المحاولات والمبادرات الخارجية والداخلية، بسبب التصلّب ومحاولة فرض أعراف جديدة خارجة عن الدستور.

في المقابل، يريد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وفريقه السياسي، على ما أضافت المصادر، الحفاظ على حقوق المسيحيين، وفقاً لما ينصّ عليه «اتفاق الطائف» والذي تُطالب غالبية الطوائف بتطبيق بنوده كاملة، أو بتطبيقه نصّاً وروحاً.. كما يتمسّك بممارسة صلاحيات الرئيس كاملة من دون أي انتقاص، وذلك خلافاً لما كان يحصل في العهود السابقة. علماً بأنّ الطائف قد قلّص هذه الصلاحيات برضى وتوقيع النوّاب المسيحيين أنفسهم الذين شاركوا في اجتماعات الطائف، وألقى بعضها على عاتق مجلس الوزراء مجتمعاً، في الوقت الذي حاول فيه بعض وزراء الحكومات السابقين اختزال صلاحيات المجلس بشخصهم.

وترى المصادر نفسها، بأنّ هذه المثالثة التي يُعمل على فرضها على المسيحيين اليوم لا يُمكن أن تمرّ، وخصوصاً أنّ «وثيقة الوفاق الوطني» نصّت على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين وعلى معادلة 6 و6 مكرّر. فحتى وإن كانت بعض الأحزاب المسيحية ترفض المشاركة حالياً في السلطة، بهدف «تحييد» نفسها عن انتفاضة الشعب على هذه السلطة ومطالبته بتنحّي جميع الذين حكموا خلال الثلاثين سنة الاخيرة، وفق شعار «كلّن يعني كلّن»، غير أنّه لا يُمكن إلغاء وجودها، أو إقصاؤها عن الحياة السياسية كونها لا تزال ممثّلة لشريحة شعبية في البرلمان.

وفي الوقت الذي تفرض فيه «المثالثة» واقعاً جديداً يُذكّر بالترويكا، ويختلف عن الأعداد على أرض الواقع، ذكّرت المصادر بأنّ الحريري نفسه، سبق وأن أعلن في إحدى إطلالاته، على سبيل المزاح «أنّنا وقّفنا العدّ». ولهذا فمن يوقف العدّ، لا يُمكنه الاستمرار بمنطق أي طائفة عددها الأكبر في البلد، ويبني على هذا الأمر لفرض تقسيمات جديدة لا تتطابق لا مع الوقائع الديموغرافية، ولا مع الأعراف والدستور. فمثل هذا المنطق من شأنه خلق صراعات مع المذاهب والطوائف الأخرى في البلد التي تُصارع من أجل الحصول على تمثيل لها في الحكومة أو المجلس النيابي وفق حجمها. ولعلّ هذا هو الهدف الأساسي من وضع قانون الإنتخابات الجديد، والقائم حالياً، الذي جرى تقسيمه على أساس النسبية وفق 15 دائرة بهدف أن تنال كلّ المذاهب والطوائف من الديانتين المسيحية والمسلمة، حقوقها على قدر الشريحة الشعبية التي تُمثّلها، وذلك لعدم هيمنة أي طائفة على أخرى أو إلغاء وجودها برمّته.

من هنا، يخشى البعض في الداخل، على ما عقّبت المصادر عينها، من إسقاط مبدأ «الديموقراطية التوافقية» الذي ساد خلال العقود الماضية، ليس من أجل التغيير ودخول وجوه مستقلّة وغير حزبية على الحياة السياسية، إنّما من أجل ديموقراطية تعتمد على الأكثرية العددية التي تفرز ثلاث كتل طائفية، قادرة كلّ منها على التعطيل كونها تتفق طائفياً، وهذا الأمر خطر جدّاً إذ من شأنه إعادة البلاد الى المنطق الطائفي، في الوقت الذي يُطالب به الشعب بسيادة المنطق الوطني على ما عداه خدمة للشعب والبلاد قبل أي مصلحة أخرى.

وبطبيعة الحال، أوضحت المصادر أنّ أي شخص يستطيع «التعطيل» إذا شاء في حال قام بتحالفات معيّنة. حتى أنّ رئيس الحكومة يستطيع الإستقالة ساعة يشاء، ما يجعل الحكومة مستقيلة فوراً. لهذا تساءلت المصادر عينها عمّا يُقلق الحريري في موضوع «الثلث المعطّل» ما دامت التحالفات «المستحدثة» ربّما، يُمكن أن تقود الى استقالة الحكومة. أمّا خوفه من أن يُعيد التاريخ نفسه، على غرار ما حصل عندما أعلن عشرة وزراء استقالتهم من حكومته عندما كان يعقد اجتماعاً في البيت الأبيض في واشنطن مع الرئيس الأميركي باراك أوباما (في 12/1/ 2011)، ولهذا يُطالب بالحصول على ضمانات عدم إسقاط أو استقالة الحكومة الجديدة قبل تشكيلها، فإنّ هذا الأمر لا يُمكن أن يضمنه حتى ولو حصل على الوعود. فالظروف قد تتبدّل بعد تشكيل الحكومة، والتسويات المنتظرة قد تُعقد، وربّما يغيّر الحريري نفسه موقفه من أمور عديدة تستدعي استقالة حكومته.

من هنا، تجد المصادر أنّ فرض الشروط المسبقة، بسبب فقدان الثقة، لا يُمكن أن يحلّ محلّ الثقة المتبادلة التي أظهرت كلّ اللقاءات والإتصالات الأخيرة على مستوى القادة السياسيين أنّها مفقودة بين الأطراف المتنازعة على السلطة. وفقدان الثقة نفسه هو الذي يجعل حكومة الرئيس حسّان دياب المستقيلة لا تقوم اليوم بمهام تصريف الأعمال، كما يجب. ولهذا، فإنّ بقاء السياسيين في الحكم مرتبط باستعادتهم للثقة ببعضهم بعضا لكي يستعيد الشعب اللبناني والمجتمع الدولي الثقة بهم. وإلا فإنّ الانفجار الكبير في الشارع بات قريباً، وربّما يُنذر بحرب أهليّة هذه المرّة، إذا ما بقي الحديث عن الحصص الطائفية أو على الأكثرية العددية هو السائد بدلاً من العيش المشترك وتحقيق الاصلاحات المطلوبة لإنقاذ الوطن..