تجزم مصادر ديبلوماسية مطلعة، بأن الواقع السياسي، كما الإجتماعي، الذي يعيشه لبنان حالياً، ليس سوى نتيجة لسلسلة عوامل أثّرت في تكوين المعادلة السياسية فيه، وسمحت بأن يحصل الإختلال ما بين الإتجاهات السياسية لكل فريق، وبأن تتحوّل الإصطفافات والتحالفات التي كانت قائمة إلى مواجهة بين فريقين لا ثالث لهما، فيما الأطراف الأخرى أسيرة ولا تستطيع إلا القيام بمهمة المراقبة والوساطة من بعيد، كما هي حال المرجعيات السياسية والحزبية والروحية، وذلك، في الوقت الذي يغلي فيه الشارع، ولكن من دون أن يتمكّن المواطنون الذين خرجوا في عدة محطات إلى الطرقات اعتباراً من 17 تشرين 2019، رفع الصوت مطالبين بالتغيير الجذري، ولكن، مع وقف التنفيذ، كما تقول المصادر الديبلوماسية، والتي لا تتوقع نضوج القرار العام والكبير بفرض هذا التغيير من خلال الإنتخابات النيابية المقبلة.

وتؤكد المصادر نفسها، أن الموعد الزمني المرتقب للإستحقاق الإنتخابي، قد بدأ البحث فيه جدياً في حكومة تصريف الأعمال، وأن المرحلة المقبلة، سوف تشهد تزخيماً للإجتماعات الهادفة إلى وضع جدول زمني لهذا الإستحقاق، خصوصاً بعدما أقفلت كل الأبواب أمام الوساطات والمبادرات المحلية والخارجية من أجل إقناع فريقي تأليف الحكومة بالإتفاق على صيغة حكومية تؤمّن الحدّ الأدنى من التفاهم السياسي من أجل التركيز على وضع آليات إنقاذية تجمّد الإنهيار المتسارع.

وفي الوقت الذي لا تستبعد فيه المصادر الديبلوماسية ذاتها، أن تستمرّ النتائج الميدانية للإحتقان من خلال الإنفجارات المتفرّقة في الشارع، فهي تؤكد أن المعالجة لا تتم من خلال الحفاظ على الأمن، بل عبر القرارات السياسية أولاً، والمالية والإقتصادية ثانياً.

وفي هذا الإطار، فهي تشير إلى الدور البارز للمؤسّسة العسكرية في امتصاص النقمة في الشارع الطرابلسي على وجه الخصوص، وتعتبر أن كل التقارير الديبلوماسية الصادرة من بعثات غربية وعربية في بيروت، تُجمع على أن مشهد الجيش في الشارع، هو عامل الإستقرار الوحيد في هذه المرحلة الدقيقة اليوم، وذلك، بعدما سقطت كل الرهانات لدى اللبنانيين، كما لدى عواصم القرار الفاعلة على قدرة المسؤولين السياسيين عن تلبية مطالب اللبنانيين الذين نزلوا إلى الشارع، باستثناء الجيش الذي، وعلى الرغم من التحديات الإقتصادية الكبيرة التي يواجهها، قام بمبادرات باتجاه أكثر من منطقة، وليس فقط في الشمال، من أجل تأمين المحروقات للمناطق التي كانت تعيش لفترة طويلة في الظلام نتيجة انقطاع التيار الكهربائي.

ومن هنا، وعلى ضوء الهواجس الغربية والأوروبية بشكل خاص، بعد صورة الفوضى في الشارع، فإن المصادر الديبلوماسية نفسها، تكشف أن المجتمع الدولي سيقوم بسلسلة خطوات من أجل الحفاظ على استقرار الوضع الأمني، وذلك، من خلال تقوية نفوذ الجيش اللبناني ودعمه لكي لا تؤثر تداعيات الأزمة الإقتصادية الحادة على مهامه المتعدّدة، والتي تبقى في مقدّمها مهمة مكافحة الإرهاب، والتطرّف الذي سبق وأن أسهم في زعزعة الإستقرار الأمني في الداخل اللبناني، كما على الحدود، وصولاً إلى حماية السلم الأهلي، في لحظة الإستعصاء السياسي، واتساع موجة القلق من تطورات دراماتيكية قد تضرب في أكثر من منطقة.