عاقل يفهم


نحن، في لبنان، نعيش منذ سنتين حالة اقتصادية صعبة جداً، بل نكافح في ظل كارثة اقتصادية ومالية حادة. والكل يدري انه بالتزامن مع هذه المصيبة التي حلت بنا، اجتاح العالم فيروس أنهك اقتصادات عالمية كبيرة، ما أدى الى تراجع في الدخل القومي العالمي والى خسائر ضخمة على المستويات كافةً، فانعكس هذا التراجع على الاقتصاد اللبناني مباشرة وسلباً فتفاقمت الازمة وتسارع الانهيار.

اذاً، نحن نعيش في بلد اقتصاده منهار، وبتنا من البلدان المتعثرة وتلزمنا رعاية أممية ووصاية دولية.

على المستوى المعيشي، حدث ولا حرج، ازمة تلو الازمة تبدأ بالكهرباء والفيول والمازوت والبنزين والدواء والمواد الغذائية وحليب الاطفال مروراً بأزمة السيولة في المصارف والصراع القائم بين المودع والمصارف، وبين المصارف والبنك المركزي، وبين البنك المركزي ووزارة المال، وبين وزارة المال وسائر الوزارات... وصولاً الى الحظر الدولي والتهميش والمقاطعة الخليجية!

هذا الانهيار هو نتاج عقوبات دولية وعربية غير معلنة على لبنان، فالخناق يضيق يوماً بعد يوم على السلطة الحاكمة، وعلى المواطن اللبناني بالاخص، الذي هو في «بوز المدفع»، والكل متخوف من الارتطام الاخير القاتل، لا سمح الله!

في ظل كل هذا السواد القاتم والافق المسدود وعدم الرؤية، يسعى الشعب اللبناني أن يعيش كما كان يعيش سابقاً، وكأن شيئاً لم يتغير، وهذا نابع من حبه للحياة بنسبة عالية ومن اشمئزازه من الحالة الاجتماعية التي فرضت عليه، فهو، أي الشعب اللبناني، يقوم بردة فعل طبيعية، لكنها غير منطقية، وهذا هو الانفصام بحد ذاته. ان الشعب اللبناني بأكثريته الساحقة يعتبر ان ما يحصل هو ازمة مستجدة آنية وعابرة، وان هذه الليالي السوداء لا بد ان تنجلي وان هذا الانهيار المالي لا بد ان ينكسر، وهذا هو بدء الانفصام.

يحاول اللبناني ان يعيش «كل يوم بيوم» فترى اللبناني في حالات متفاوتة إن كان في نمط العيش والتعليم وان كان في الاستشفاء، وذلك ناتج من حصول قسم من اللبنانيين على دعم من المغتربين وحصول القسم الآخر على مال سياسي بالعملة الصعبة مما يزيد من حالات الانفصام في المجتمع اللبناني ويعمق التشرذم الاجتماعي. ناهيك عن ااستغلال بعض المحتكرين والكارتيلات لهذا الوضع الصعب، فهم تزيد ثرواتهم والفقير يزيد فقره، وهذا هو أيضاً وجه من أوجه الانفصام.

اللبناني بطبيعته محب للحياة، وبمكان ما محترف في التبذير، واعتاد خلال عشرين سنة مضت ان «يصرف ما في الجيب فيأتيه ما في الغيب».

وهذه هي قمة الانفصام، لأن ليس في كل مرة تسلم الجرة!

لو نظرنا الى يوم في لبنان فترى الانفصام بأم العين ففي النهار يعيش اللبناني السيناريو الفنزويلي، أما في الليل فهو يتّبع نموذج «ماربيا»، اذ انه في النهار يقف في طوابير الذل على محطات الوقود وأمام الصيدليات وعلى أبواب المصارف الناهبة والمنهوبة ويتمنى ألا يصيبه مكروه كيلا يقف أمام أبواب المستشفيات فهناك البكاء والعذاب والذل.

أما في الليل، فتراه في أفخم المطاعم والملاهي والحانات، وكأن شيئاً لم يتغير وهذا أيضاً انفصام ما بعده انفصام.

اذاً، اللبناني المقيم يعيش حالات انفصام بالشخصية والذهن والنفس والوجدان والعاطفة والانتماء والتفكير والسلوك والفعل وردات الفعل، وكل ذلك ناتج من عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والمالي والأمني وحتى الوجودي.

أخيراً، مع كل هذه المصائب والويلات المتراكمة والمتتالية، ومع كل هذه الاضطرابات، هل يقدر المواطن اللبناني على الصمود والعبور الى بر الأمان؟

وإذا عبر، هل يقدر أن يستعيد ثقته بذاته وبوطنه ويخرج من حالة الانفصام؟

واذا خرج من حالة الانفصام هذه، هل هو مستعد للبقاء مرة أخرى في هذا البلد المتخبط عبر التاريخ؟

الغد لناظره قريب.