ألم يكن أفضل لنا أن نقضي جوعاً، وأن يقتلنا الأنين، أنين أطفالنا، داخل منازلنا، بدل أن نهان أمام الملأ، ونظهر للعالم كمتسوّلين محترفين، بعدما كانت موائدنا، بما فيها موائد الفقراء، مشرّعة للقاصي والداني؟

الكل يعلم، والعرب يعلمون، أننا، كلبنانيين، الأحسن وفادة، والأكثر احتفاء بالضيف أياً كانت هوية هذا الضيف والى أي طبقة انتمى...

أثناء زيارته لبنان، قال لنا محمد حسنين هيكل «بكل شيء، أنتم ترفعون رؤوسنا». اليوم، يا صاحبي نطأطئ رؤوسنا، ونطأطئ بطوننا، في حضرة الديناصورات الذين يمتطون ظهورنا بحجة حماية الطوائف، لكأن الله لم يحمل عصاه ويرحل عن هذه المنطقة بعدما رشقنا أنبياءه بالحجارة!

وزير خارجية قطر الذي لا ننسى، قطعاً، ما فعلته بلاده من أجلنا عقب حرب تموز 2006، أعلن تحت الكاميرات عن تقديم 90 طناً من المواد الغذائية الى الجيش اللبناني. ليتنا نعلم، ما هي ردة فعل الضابط، وردة فعل الجندي، حيال وطنه، وقادة وطنه، حين يتصدق عليه الآخرون بالطحين، والأرز، وبالأسماك المبردة، كي لا يقضي جوعاً...

نقول للضباط، والجنود، أين هي بنادقكم؟ وهل ثمة من عدو أكثر فظاظة من الذين يحرمونكم حتى من رغيف الخبز، ومن طبق الحساء، وأنتم الذين يفترض أن تكون صدوركم، في مواجهة العدو، صدور الجبال؟

مثلنا يهان ضباطنا، وجنودنا. لو حدث هذا في أي بلد آخر لعلّقت المشانق. عندنا أنصاف الآلهة يدوسون جثثنا بأحذيتهم...

لا نستحق أن يذهب أنطوني بلينكن وجان ـ ايف لودريان من أجلنا الى المملكة. المهمة تركت للسيدتين دوروثي شيا وآن غريو لتسويق الاسم البديل عن الرئيس سعد الحريري بعدما بدا أن المساكنة مستحيلة بينه وبين الرئيس ميشال عون.

بيان السفارة الأميركية أشار الى أن بين أهداف الزيارة «التأكيد على أهمية المساعدة الانسانية للشعب اللبناني، فضلاً عن زيادة الدعم للجيش ولقوى الأمن الداخلي». يا اشقاءنا العرب هل تنتظرون وساطة السفيرتين الأميركية والفرنسية لكي تنظروا في أحوالنا؟ لا نريد سوى سلامتكم وسلامة عروشكم...

لا بأس، بني غانتس الذي يعدّ قاذفاته، ودباباته، لقتلنا، قتلنا نحن فقط، كوننا قهرنا القوة التي لا تقهر، أشفق علينا، وهو يبحث عن كيفية مد يد العون لنا.

كلنا ترعرعنا على ثقافة الجشع. الكنائس، والمساجد، تغص بالمصلين. الكل يعظ بالتقوى وبالايثار. في العمق، نعيش الوثنية الكبرى. لاحظنا موت القلب في كل تفاصيل حياتنا. حتى الأطباء نسوا قسم أيبوقراط، وأغلبهم من أصحاب الأسماء البراقة، تركوا بلدهم يحتضر، وأهله يحتضرون، وهاجروا الى بلدان أخرى بحثاً عن العملة الخضراء بعدما قلّت مواردهم التي كانت بآلاف الدولارات في اليوم الواحد وللطبيب الواحد.

هل تتصورون أن هذا يمكن أن يحدث في «اسرائيل»؟ أبرع الأطباء، والمهندسين، والأكاديميين، كانوا يتركون رواتبهم العالية في الدول التي يعملون فيها ويأتون الى «أرض الميعاد» للعمل بأجور عادية ان لم تكن زهيدة. أليس لبنان أرض الميعاد لنا؟

بامكاننا أن نضحك على بعضنا البعض، وأن نخدع بعضنا البعض، لنلقي بمسؤولية الكارثة على الآخرين، ولكن هل بامكاننا أن نخدع السفيرة الفرنسية التي عرّت في السراي الحكومي نفاق أولياء أمرنا، وفسادهم، وتقاعسهم، بل وتواطؤهم. لم يرف جفن لدى أي من هؤلاء. متى كان للأوثان أن تهزها العصا على الرأس؟ كلام آن غريو كان بمثابة العصا على الرأس..

هل كان باستطاعة أميركا أن تفعل ما فعلته بنا، ولا نغفل دورها في الانهيار، لو لم تكن جدراننا مهدّمة، ولو كنا في الدولة ـ الدولة، لا في الدولة ـ المغارة، ولا في الدولة ـ المقبرة!

بعضنا لا يزال يتحدث في القضايا الكبرى. كيف يمكن لطوابير العار ألا تكون قضيتها الكبرى تنكة البنزين، وعلبة الحليب، ورغيف الخبز. لم تعد رؤوسنا على أكتافنا لتكون الرؤوس المرفوعة...