«الله يعين البلد» عبارة تلت قرار اعتذار سعد الحريري من قصر بعبدا عن تشكيل الحكومة بعد 9 أشهر من التكليف. فقد نجحت الحركة الديبلوماسية من قبل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والسعودية بدفع الرئيس المكلّف سعد الحريري طوال الأشهر التسعة الماضية حتى يوم أمس، الى الإعتذار عن تشكيل الحكومة الجديدة. وصحيح بأنّ السبب العلني لاعتذار الحريري، على ما أعلن بعد انتهاء اللقاء التشاوري الذي عُقد مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعد ظهر الخميس في قصر بعبدا هو أنّ «الموقف لم يتغيّر ولا يُمكننا أن نتفق مع الرئيس عون»، لأنّ «ثمّة تعديلات يطلبها الرئيس اعتبرتها جوهرية في التشكيلة»... غير أنّه ظهر جليّاً بأنّ قرار الحريري يأتي من دول الخارج التي تحرّكت أخيراً بهدف قلب الطاولة وليس من الداخل.

وتقول أوساط ديبلوماسية عليمة بأنّ وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود كان شدّد خلال الإجتماع الثلاثي الأخير الذي عُقد في إيطاليا بينه وبين وزيري الخارجية الأميركية أنطوني بلينكن والفرنسي جان إيف لودريان على استمرار وضع بلاده «الفيتو» على ترؤس الحريري للحكومة الجديدة، كما كان موقفها هو نفسه خلال تكليفه تشكيلها في 22 تشرين الأول من العام الماضي. وما كان من بلينكن ولودريان الا أن وافقا على «ضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة في لبنان مع أو بدون الحريري»... كون أميركا وفرنسا وجدتا بأنّ مهلة التسعة أشهر كانت أكثر من كافية لولادة الحكومة، غير أنّ الحريري فشل في تخطّي جميع العراقيل والعقد التي حالت دون تأليفها.

ولفتت الاوساط الى أنّ عبارة «مع أو بدون الحريري» التي وافقت عليها كلاّ من أميركا وفرنسا، وأظهرت عدم تمسّكهما بالحريري، وفرنسا تحديداً باعتبار أنّه كان «حامل لواء تطبيق المبادرة الفرنسية في لبنان»، هي التي حرّكت الحريري وشجّعته مجدّداً لتقديم تشكيلة حكومية «قديمة جديدة» أو مستحدثة للرئيس ميشال عون، بعد قطيعة بين الرجلين دامت منذ آذار الماضي.

غير أنّ هذه التشكيلة لم تمرّ، على ما عقّبت الأوساط عينها، ليس بسبب عدم موافقة عون عليها، إنّما لأنّ الثقة باتت مفقودة بين الرجلين منذ فسخ الحريري للتسوية الرئاسية وتقديم استقالته إبان انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 من دون وضع رئاسة الجمهورية في جوّ هذه الإستقالة. ولهذا كان الرئيس عون في المبدأ ضدّ إعادة تكليف الحريري لتشكيل الحكومة الجديدة، بعد استقالة حكومة الرئيس دياب عقب انفجار مرفأ بيروت في 4 آب من العام الماضي، خشية تكرار تجربة «التفرّد بالموقف»، سيما وأنّ هذه الإستقالة قد جرّت البلاد الى الفوضى وأوصلتها الى الأزمة الإقتصادية والمالية والإجتماعية الخانقة التي تعيشها اليوم.

ولأنّ الحريري تمنّى على الرئيس عون أن يعطيه جواباً على تشكيلته الجديدة خلال 24 ساعة لكي يبني على الشيء مقتضاه، وردّ الرئيس عون أمام الصحافيين ممازحاً أنّه «بيأمر»، عقد لقاء التشاور الخميس. وتقول الاوساط بأنّ «هذا الشرط» الذي وضعه الحريري على رئيس الجمهورية على شكل تمنٍّ، علماً بأنّه وضع ورقة التكليف في جيبه مدة 9 أشهر من دون التوصّل الى التأليف، أظهر أنّه سيتخذ موقفاً سلبياً من ردّ الرئيس عون أيّاً يكن، وأنّ لقاء التشاور لن يكون بداية لمناقشة تستمرّ أيّاماً وتولد الحكومة بعدها. أمّا طرحه على عون إذا ما كان يحتاج الى المزيد من الوقت للتفكير في التشكيلة الجديدة، فأتى من باب رفع «الشرط» الذي حدّده بيوم واحد لدراسة تشكيلته، وليتمكّن من القول لاحقاً بأنّ «عون هو من يُعطّل تشكيل الحكومة» من خلال رفضه أي تشكيلة يجدها هو شخصياً قادرة على إنقاذ البلاد من أزمته. علماً بأنّ الحريري لم يعتمد وحدة المعايير في تشكيلته الأخيرة وأصرّ على تسمية الوزراء المسيحيين لعدم ثقته بفريق عون الرئاسي الطامح، من وجهة نظره، الى الثلث المعطّل، والى وضع اليدّ على البلد بعد انتهاء عهد عون.

واستكمالاً للحركة الديبلوماسية للدول المذكورة سلّمت السفيرتان الأميركية دوروثي شيا، والفرنسية آن غريو الرئيس عون الخميس، رسالة مشتركة من وزيري الخارجية، أكّدا فيها اهتمام بلديهما بالوضع اللبناني وبضرورة تشكيل حكومة جديدة لمواجهة الظروف الصعبة في لبنان. كما وضعا، على ما أبلغا الملف اللبناني على طاولة البحث خلال اجتماعهما في واشنطن. وهذا الأمر يعني بأنّ هذه الدول ستضغط لتشكيل الحكومة في حال وجدت بأنّ المسؤولين اللبنانيين في الداخل ينوون التوافق على شخصية سنيّة مستقلّة وغير سياسية لترؤس الحكومة المنتظرة.

وبرأي الاوساط ، إنّه ببقاء الحريري رئيساً مكلّفاً، أو باعتذاره، فإنّ لا أحد سيُعين هذا البلد سوى الله، على ما تمنّى الحريري، على غرار دياب عندما استقال. غير أنّ الإعتذار تأخّر كثيراً من قبل الحريري لأنّه أعاد البلد اليوم الى المربع الأول، أي الى نقطة الصفر لناحية إعادة الدعوة الى الإنتخابات النيابية المُلزمة من قبل رئيس الجمهورية، والتوافق على اسم الرئيس المكلّف البديل الذي تستبعد أن يتمّ التوصّل الى إيجاده بين ليلة وضحاها. علماً بأنّ جميع الكتل النيابية والأحزاب السياسية قامت خلال الأسبوعين الماضيين بجوجلة اسماء الشخصيات السنيّة لاختيار إحداها.

أمّا عدم إصرار أميركا وفرنسا على بقاء الحريري، فتعزوه الأوساط نفسها الى أنّهما تجدان بأنّ الوقت قد حان لتشكيل الحكومة في لبنان وسط الأزمة غير المسبوقة التي ترزح تحتها البلاد، إنّما ليس للإنقاذ ولتحقيق الإصلاحات المطلوبة، على ما كان يؤمل منذ أكثر من سنة وتسعة أشهر. فما يهمّ هذه الدول هو أن يجري الإتفاق مع صندوق النقد الدولي على بعض المشاريع الإصلاحية وتوقيع الإتفاقيات من جهة، ومواكبة مسألة إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها أي في آذار المقبل على أبعد تقدير.

فهذه الإنتخابات باتت تُشكّل أولوية بالنسبة للدول الثلاث كونها قادرة على إحداث بعض التغيير المطلوب، بحسب الاوساط، فكلّ من أميركا وفرنسا والسعودية تُحرّك مجموعة معيّنة لها من «المنتفضين» في لبنان، وتأمل في أن يربح مرشّحوها الإنتخابات بنسبة 20 % أو أكثر، ما يُمكّن النوّاب «المستقلّين» من دخول البرلمان والسعي من أجل التغيير والإصلاح في النظام والدستور وما الى ذلك. علماً بأنّ الرئيس عون كان أكّد أنّ الإنتخابات النيابية ستجري في موعدها في ربيع العام 2022 خلال لقائه الرئيسة السابقة لبعثة الإتحاد الأوروبي إيلينا فالنسيانو التي تولّت مراقبة الإنتخابات في العام 2018، ورحّب بوجود مراقبين أوروبيين لمتابعتها، الأمر الذي شجّع الدول الثلاث على التمسّك بهذا المطلب.