لم يكن اعتذار الرئيس الحريري مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة طبيعية ومنتظرة بعد انسداد آفاق الاتفاق بينه وبين الرئيس ميشال عون حول تشكيل الحكومة. وادا كانت خطوته هذه، قد زادت من خيبات الامل في البلاد، فان الانطباع السائد لدى الكثيرين انه تأخر في الاقدام عليها ما يقارب تسعة اشهر من الصراع والعراك مع رئيس الجمهورية وصهره النائب جبران باسيل، لا سيما انه وعد بعد تكليفه مباشرة ان يشكل الحكومة في غضون اسابيع قليلة لا تتجاوز الشهر، آخذا بعين الاعتبار مهلة الاسبوعين التي كان اعلنها الرئيس الفرنسي ماكرون خلال اطلاق مبادرته بعد انفجار ٤ آب واستقالة حكومة دياب. 

وتقول اوساط الحريري انه حاول بعد تعثر عملية التأليف خلال هذه المهلة واصطدامه بشروط عون وباسيل، افساح المجال امام المحاولات التي بذلت محليا وخارجيا لايجاد صيغة مرضية تنتج حكومة مهمة من وزراء اختصاصيين وتكتسب ثقة داخلية ودولية ، لكن العهد بقي على شروطه التي تتعارض ليس مع مواصفات هذه الحكومة فحسب، بل ايضا مع الاعراف والاصول الدستورية. 

وتضيف الاوساط انه من باب الحرص على اهمية تأليف الحكومة في ظل الانهيار الذي كان يحصل بوتيرة متسارعة، ونزولا عند رغبة باريس واطراف اخرى خارجية وداخلية، بقي الحريري يراهن على احداث خرق في الجدار الذي وضعه العهد في وجه تأليف الحكومة، لكن المحاولات والمبادرات كانت تتساقط واحدة تلو الاخرى، الى حين وصلت الامور الى الطريق المسدود بعد مسار طويل من التعطيل.

لكن اوساط العهد ترى ان الحريري ، الذي رشح نفسه لرئاسة الحكومة بعد ان تخلى عن حكومته السابقة بقرار منفرد وذاتي بعد ١٧ تشرين، راهن منذ اللحظة الاولى على نجاح الوسطاء، لا سيما فرنسا في اقناع الرياض برفع «الفيتو» عنه ومنحه غطاء لتأليف حكومته الجديدة ، وعندما فشلت باريس في مسعاها لدى المملكة توجّه الى الامارات العربية المتحدة ومصر مستنجدا، فاصدمت محاولات البلدين بالموقف السعودي نفسه.

وتقول المصادر ان هذا الرهان الفاشل كان من ابرز اسباب مماطلة الحريري وهربه الى الامام خلال كل فترة تكليفه، وانه السبب الاساسي في تقديم اعتذاره.

والصحيح، كما يقول مصدر سياسي مطلع، ان فشل تأليف الحكومة مرده اسباب عديدة، منها ما هو ناجم عن الشروط والمطالب الصعبة التي طرحها وتمسك بها الرئيس عون، ومنها الوضع الذي وجد الحريري فيه نفسه محاصرا بين هذه الشروط التعجيزية، وبين استمرار اقفال ابواب الرياض في وجهه وادارة ظهرها لعملية تأليف الحكومة وللوضع برمته.

ولا شك، يضيف المصدر، ان الحريري بعد تجربة التسوية الفاشلة مع الرئيس عون وباسيل في حكومته السابقة وبعد ١٧ تشرين، قرر وضع «فيتو» على اي محاولة لصياغة تسوية جديدة بينه وبين باسيل، وحصر التعامل مع عون بصفته رئيسا للجمهورية وشريكا في تأليف الحكومة وتظهيرها بقوة التوقيع على مرسومها ، اما رئيس التيار الوطني الحر فقد لجأ الى الضغط وتصليب موقف الرئيس عون ورفع سقف شروطه ومطالبه، سعيا الى عقد تسوية مع الحريري لا تقتصر على العلاقة التشاركية بينهما داخل الحكومة، بل تشمل ايضا نوعا من التعاون والتحالف السياسي الذي قد يستثمره في معركة رئاسة الجمهورية.

ومن الواضح، يضيف المصدر، ان الحريري بعد اعتذاره سينصرف الى ترتيب اوراقه للمرحلة المقبلة، وسيركز على حياكة ثوب المعارضة الذي يعتزم لبسه حتى موعد الانتخابات المنتظرة في ايار المقبل، ولذلك يرى المصدر انه بغض النظر عن موقفه من تكليف رئيس الحكومة الجديد ومن هذه الحكومة، فانه بطبيعة الحال لن يكون شريكا فيها، وان حرص الرئيس الجديد على توزير بعض المحسوبين على «تيار المستقبل» او المقربين منه.

ويقول مصدر نيابي في «كتلة المستقبل» ان عدم تسميتنا للرئيس المكلف لا ينطلق من شعار «نحن او لا احد» كما يروج الفريق الآخر، وانما لحرصنا على الثوابت التي تمسك بها الرئيس الحريري في عملية التشكيل ولرفضنا تعويم العهد ومنحه جائزة على حساب هذه الثوابت.

وصار معلوما ان النقاش الذي دار في الحلقة الضيقة والموسعة المحيطة بالحريري قبل اعتذاره اخذ مداه لاسابيع عديدة، بعد ان تأكد ان المفاوضات الحكومية التي جرت على مدى اشهر طويلة وصلت الى طريق مسدود.

ووفقا لمصادر مطلعة، فان المتشددين ضغطوا لتصليب موقف الحريري ودفعه الى الاعتذار، على عكس ما كانوا يعلنونه او يصرحون به ، ولم يكتفوا بذلك، بل سعوا ويسعون الى تعديل خطابه السياسي في المرحلة المقبلة نحو درجة متقدمة من التشدد تتجاوز اطار سياسة «المستقبل» التي اعتمدها في السنوات القليلة الماضية، بحجة ان سياسة المهادنة ساهمت في تراجع شعبية «تيار المستقبل» ولم تحقق مكاسب سياسية، وتلفت المصادر الى ان انتقاد الحريري المباشر لحزب الله في اطلالته التلفزيونية الاخيرة يعبر عن جزء من نفس هؤلاء المتشددين ، لكنها تعتقد ايضا، انه لا يريد ان يذهب بعيدا في الاخذ بنصائح هؤلاء لانه يفقد في ذلك هوية المستقبل واعتداله الذي شدد عليه والده الرئيس الشهيد رفيق الحريرى.

وتؤكد المصادر ان الحريري يمهد لتجديد خطابه السياسي في موقعه الجديد المعارض على قاعدة التمسك بالاعتدال ونبذ الفتنة المذهبية والطائفية من جهة، والتركيز على الدفاع عن حقوق جمهوره والطائفة السنية من جهة اخرى . وبالتالي سيحاول الموازنة بين الخطاب الشعبي، وبين التمسك بالمحافظة على الاستقرار العام، دون اهمال شعار الدفاع عن الدولة وانتظام وتفعيل مؤسساتها ودورها.

وفي عملية اعادة ترتيب وضعه، تشير المصادر، الى ان الحريري يعتزم استكمال ترتيب البيت الداخلي اي «تيار المستقبل» باعتبار ان القرارات والتشكيلات الداخلية لم تستكمل في المرحلة السابقة ، وان الممارسة افرزت ثغرًا بحاجة الى معالجتها في المرحلة المقبلة التي ستكون مرحلة « الى الانتخابات در».

الأكثر قراءة

لبنان يتجاوز فتنة الطيونة... التحقيقات تتوسع وافادات مفصلة للموقوفين حزب الله و «امل»: لن ننجرّ الى حرب اهلية... ونعرف كيف نحفظ دماءنا والايام ستشهد عودة مجلس الوزراء تنتظر اتصالات الاسبوع المقبل وتبريد الاجواء