يقول فيودور دوستويفسكي: «نحن اقوياء لا عليك من كلام المحبطين، نحن نستيقظ كلّ يوم لنعيش الحياة نفسها في المكان نفسه مع نفس الاشخاص هذا بحدّ ذاته كفاح».

ما بالك اذا من كفاح الشعب اللبناني وقوة هذا الشعب وعناد هذا الشعب؟ بل من صمود هذا الشعب؟!!

ان الشعب اللبناني يستيقظ كل يوم ليحاول ان يعيش في ظل وطن يحكمه نفس الاشخاص منذ قرابة 40 سنة وفي ظلّ سياساتهم الكيدية والطائفية والريعية.

أليس هذا بتحدّ اكبر؟ أليس هذا صمود بحدّ ذاته؟

هؤلاء جعلوا من وطننا اطلال وطن دمّروه وسرقوه وافسدوه وما زالوا يجاهدون ليحكموه على طريقتهم: أليس هذا هو الجهاد الاكبر المدمّر؟

لعنكم الله ،لقد دمّرتم كل شيء حيّ حتى الجماد نال نصيبه منكم فلا الجبال بقيت جبالا ولا الوديان وديانا ولا الانهر والشواطئ بقيت على حالها.

الشعب اللبناني ضاق ذرعا منكم ضجر من سياساتكم من افكاركم المخرّبة من جشعكم من كلامكم الفارغ وسخافاتكم. ان الشعب قرف حتى من اشكالكم ومنطقكم الغريب العجيب!

مع كل ذلك ان الشعب صامد، رغم الحصار الكبير المفروض عليه، نحن صامدون لأننا نؤمن بأن لبنان هو ارض الرب ولأن لبنان هو في قلب الله!

صامدون رغم كل العذاب والطفر:

صامدون رغم الجهاد والعناد:

صامدون رغم النكد والبطر:

صامدون رغم الدمار والحصار.

نعم نحن صامدون رغما عن انوفكم ورؤوسكم

لكن نحن محاصرون

نعم نحن محاصرون ،كل لبنان محاصر الشعب محاصر

محاصرون في لقمة عيشنا

محاصرون في حبة دوائنا

محاصرون في قيمة عملتنا

محاصرون في مدننا وقرانا حتى في بيوتنا!

الفقر بدأ يحاصر بيوتنا، بيوت تدفن اسرارها في داخلها وتكتم الجوع والاوجاع بين جدرانها تكتم دموع الصغار والكبار وتكتم عذابات المرضى والأصحاء وتكتم الشحّ والفقر والعوز.

للأسف باتت اغلبية الشعب اللبناني تحت خطّ الفقر ،غرف مظلمة وحارةّ واطفال جياع ومرضى خائفين على مصيرهم، اوجاعهم جسدية ونفسية.

برادات فارغة ومعدٌ خاوية، نعم لست ابالغ لقد قمت بجولة في حيّنا ورأيت «العجايب» تأثرت وبكيت وشتمت وشكوت الى الله كل من انغمست يديه في هذا الخراب.

شابات وشباب حائرون وخائفون من المستقبل، اهلهم حزينون ومحبطون وشيوخ في آخرتهم مكسوفون.

لماذا كل هذا الخراب؟

لماذا كل هذا العذاب؟

لمصلحة من ندمّر وطننا بأيادينا؟

هل هذا هو قدرنا في هذه البلاد؟

لا ادري لماذا يسمح الرب بكل هذا الدمار؟

لا افقِ ،لا رؤية ،لا أمل في المدى القريب. الصغار والكبار يتمنون الرحيل بل الهروب من آتون اوقدنا ناره بأيادينا حين آمنا بالبشر بانهم مخلصوّن!

آتون لم ولن نعرف ان نطفئ ناره، لأننّا وقوده وغذاءه يلتهمنا احياء ونحن صانعوه.

نحن نعيش غربة ما بعدها غربة، غربة في وطن آمنا به، عملنا فيه بإخلاص، وضعنا كل طاقاتنا وقدراتنا وآمالنا في ارجائه، وطن رفضنا ان نتركه في أحلك الليالي الغابرة وبقينا صامدين.

اسأل نفسي كل لحظة، هل انا قادر على الصمود بعد؟

لماذا انا باق في هذا البلد؟ هل بقائي هنا ظلم لعائلتي؟ لاجل من كل هذا الصمود؟

ماذا عساي ان افعل في ظل هذا الإنهيار؟

ما هو القرار الصائب الذي ينغبي إتخاذه قبل فوات الاوان؟

هل بات لبنان الاخضر،» جهنم الحمرا»؟

هل اصبح لبنان النقي اسود الملامح؟

هل باتت جبالنا الشامخة مطأطأة الرأس؟

هل باتت ودياننا المقدسة كافرة؟

هل ما زالت انهارنا وشلالاتنا خصبة؟

هل ما زالت ارزتنا، رمزنا، خضراء؟؟

لا ادري ما هي الاجوبة على كل هذه الاسئلة، لكن اقدر ان اقول وفي ظل هذه الصورة القاتمة اننا صامدون، صامدون ولكن!

لا ادري ما هو نوع هذا الصمود، أهو صراع على حافة الموت؟ أم هو جهاد للبقاء أحياء؟!! نعم هذا هو صراع البقاء، نحن نجاهد كل ثانية لنبقى أحياء.

اسأل نفسي هل هذا الصمود هو تعلق بأرض الأجداد؟ أم خوف من المجهول؟ ام هو الإثنان معاً؟

صراع ما بعده صراع، صراع البقاء في بلد الفناء، فناء كل شيء، كل شيء بنيناه ندمره ونحن ندرك ماذا نفعل، واخاف ان كنا لا ندرك!

نحن نعيش اياما وشهور تخلّي، تخلينا عن ضميرنا في سبيل السلطة، تخلينا عن واجباتنا تجاه وطننا، اسلمنا ذواتنا للشيطان وجعلناه يتملك شهواتنا ويطبق على عقولنا وبتنا عبيدا عنده نعمل على زوال بعضنا البعض ونتلذذ بدمار الهيكل على رؤوسنا ومحو هويتنا.

للاسف، كل في هذا البلد، «يغني على ليلاه» الكل لا يرى ابعد من مصلحته القبلية والمذهبية كأننا في شريعة الغاب عند سقوط بابل.

يا اولاد الافاعي هذه ارض اجدادنا عملوا فيها بكل اخلاص، جلّلوها وزرعوها وبنوا بيوتهم فيها. زرعوا وعرها وجعلوها حية خصبة. ففي كل جلّ قصة عمر ووراء كل صخرة عنفوان رجال وعلى مائدة كل بيت عرق جبين شريف طاهر نقي.

لن ندعكم تحكمون بعد الآن وتتحكمون بمصيرنا، نحن صامدون رغم انوفكم ومهما حلكت ليالينا.

في الختام اقول بالفم الملآن، لا والف لا يا اولاد الافاعي، يا مغتصبي الطفولة البريئة في وطني، يا سارقي احلام الشباب... سنبقى في ارضنا نزرعها ونضيئها بالامل والرجاء المزروع في قلوبنا وعقولنا. نحن صامدون هنا لاننا ابناء الرجاء وابناء القيامة...