من الظلم معاينة الحكومة الجديدة التي يسعى إلى تشكيلها الرئيس نجيب ميقاتي دون اعتبار الوقائع الاقتصادية والمالية المعقدة التي تخيم على الوضع اللبناني المزدحم بالمشاكل والأزمات في ظل أخطر انهيار اقتصادي ومالي يعصف بالبلد خلال العقود الأربعة الأخيرة.  

أولا أظهر الرئيس ميقاتي حتى الآن ومنذ التكليف رصانة وحصافة بالابتعاد عن السلوك الاستعراضي والدعائي وبالتحفظ والتواضع المسيطرين على خطابه السياسي المحسوب ويسعفه بالأصل تحفظه المعروف فهو لم يكن يوما من هواة الاستعراض ونثر الوعود المنفوخة وهذا السلوك المتحفظ يحمي من الخيبات السابقة المشهودة للوعود الحريرية المتلاحقة وحسنا يفعل الرئيس ميقاتي بالابتعاد عن المبالغة والمعالجة المحصورة للنقاط التي يتناولها في اطلالاته الإعلامية وهو سيجد نفسه مدعوا لبدء الكلام عن برنامجه وبرنامج الحكومة العتيدة ونصيحتنا له هي التحفظ الشديد وربط التدابير بدراسة المشاكل علميا ومعاينتها عن قرب بدل الاستعجال والمرجلة والارتجال واذا اقترن هذا الأداء بتنظيم دراسة الملفات والتقدم برؤى علمية للحلول قابلة للتطبيق سنكون أمام طراز علمي وعملي في ممارسة المسؤولية العامة لاسيما على رأس الحكومة وهذا بذاته يعزز الثقة والتفاؤل بانفراج قريب. 

ثانيا ملاقاة نبض الرأي العام بخطوات واضحة ومعلنة تنعكس عمليا سيتيح الحصول على مساندة الناس ويفترض برئيس الحكومة الجديد ان يظهر في موقع تفهم القلق المعيشي والخوف المتزايد من ارتفاع أسعار الضروريات واختفائها وعليه مباشرة التحرك لتنظيم التدابير والضوابط الجدية وبتواضع ومن غير وعود متضخمة وقد باتت المشكلة هي الهم المركزي لكل اللبنانيين يدون استثناء وهم سيحبون نموذج أداء مسؤول يكرس وقته لاجتماعات ولقاءات تناقش قضايا الرغيف والدواء والأسعار والمحروقات والكهرباء وتخرج بقرارات وخطوات عملية توضع فورا في التنفيذ وتتجسد سريعا بوقائع صلبة يلمسها المواطنون  وتبدد مخاوفهم وبشكل تظهر فيه مواكبة حكومية عليا مسؤولة ووثيقة لضمان الحل الفوري للمشاكل وسيجد الرئيس ميقاتي درجة عالية من الترحيب والتجاوب مع مثل هذا النمط السلوكي الميداني في ممارسة المسؤولية وحين يلمس الناس ان التدابير الخاصة بالرغيف والدواء والضروريات وأسعار المواد الغذائية تتخذ بجدية وحزم وسرعة وتتابع ميدانيا سيكون لديهم الاستعداد للصبر واعطاء المهل لمعالجة المشاكل الأخرى وسيتفهمون الاستمهال إن تيقنوا من توافر الإرادة وخطة العمل. 

ثالثا يحتاج الرئيس ميقاتي إلى رسم خطة لتنويع الخيارات والانفتاح على جميع المسارات ونعلم انه ليس انقلابيا او ثوريا في مزاجه وذهنيته ولكن سيكون مخطئا لو حصر المقاربات الاقتصادية في مشورة خبراء صندوق النقد الدولي والسفارة الفرنسية وسد أبواب التفكير في خيار التوجه شرقا والسعي إلى استكشاف الفرص في العلاقات مع روسيا والصين وإيران وهو يعلم من موقعه كرجل أعمال واقتصاد وسياسة مقدار الفرص والعروض السخية والمجزية التي تناسب لبنان لدى هذه الدول بالذات وهي راغبة جديا في المساعدة على إنهاضه وتنميته بسرعة قياسية  عبر شراكات لمس الرئيس ميقاتي بالتأكيد مدى الاندفاع السياسي في العواصم الشرقية الثلاث الكبرى لعقدها ورعايتها كما ان الرئيس ميقاتي يعلم بخبرته العملية والسياسية حجم الفرص السورية التي سيكون إهمالها بمثابة انتحار اقتصادي خطير ونقترح عليه التأني كعادته والبدء بخطوات عملية مجزية مع هذه الدول وترك المجال للإنجازات لتحصد ثقة الناس بظهورها على أرض الواقع ولا يجب ان يخشى لبنان أي ترهيب من الشراكات الشرقية لأن ذلك هو تلاعب اميركي غربي بالعقول هدفه التخريب وإلحاق الضرر وخنق الفرص.