الإقتصاد التحتي، سوق الظل، السوق المخفي، الرمادي، السري، الغير شرعي وغيرها من المرادفات التي ترادف ما اصطلح علب تسميته بالسوق السوداء. يعود تاريخ السوق السوداء إلى تاريخ تأسيس السوق بشكل عام، فهي سوق مواز تم خلقه للقيام بكافة أنواع المعاملات التجارية مع تجنب كل القوانين الضريبية والتشريعات التجارية. لا يقتصر وجود هذا السوق على البلدان النامية، بل يوجد في كافة البلدان وينطوي على كافة أنواع المعاملات التجارية من بضائع وخدمات وحتى بشر! عادة يزدهر عمل السوق السوداء في البلدان التي ينتشر فيها الفساد، ويكون محدود النشاط في البلدان التي تتمتع بحرية إقتصادية أكبر. اما سبب ازدهاره في البلدان التي ينهشها الفساد فهو غياب فرض العقوبات وتراجع دور الأجهزة الرقابية مما يشجع على تنامي المعاملات التجارية في هذا السوق وتفضيله على السوق الشرعي.

تاريخ هذه السوق بدأ منذ الحرب العالمية الأولى حين اضطُرت الدول الى تقنين المواد الأولية الضرورية للمجهود الحربي، كما وعاد وإزدهر مع الحرب العالمية الثانية بسبب التقنين الصارم ومراقبة الأسعار.

مخاطر السوق السوداء جمة ولا تقتصر على كونها غير شرعية، فهي تضر بالإقتصاد الوطني مسببة نقص العوائد الضريبية للدولة وانتشار نوع من الفوضى الاقتصادية المنظمة، مما قد ينعكس سلبا على مستوى الإنفاق الحكومي في المجالات الاجتماعية والإنتاجية.

للغوص في خبايا القضية، اكد الخبير الإقتصادي والمالي الدكتور ايلي يشوعي لـ «الديار»أن النظام الإقتصادي في لبنان هو نظام إقتصاد سوق حر يستوجب وجود أسواق لكافة السلع والخدمات والنقد والقطع، وبالتالي أي حديث عن سوق يسترعي التفكير مباشرةً في العرض والطلب وينفي فكرة تحديد الأسعار بشكل مركزي كما كان يحدث إبان حكم الإتحاد السوفيتي في ظل النظام الماركسي الذي ينفي وجود السوق ويقوم هو بتحديد أسعار كل شيء، وهو نظام سقط مع سقوط الإتحاد نفسه.

أما في لبنان، يرى يشوعي، أنه ومنذ العام ١٩٩٣ لم يتم إحترام الدستور لناحية الإقتصاد الحر وتم إلغاء أسواق لغت معها تفاعل العرض والطلب كمدماك أساسي لتحديد أسعار السلع أو الخدمات أو حتى النقد وسعر صرف الليرة كقيمة للعملة المحلية مقابل العملات العالمية. أهم الأسواق التي تم الغاءها تتمثل بتحديد سعر الصرف وتحديد نسبة الفوائد وهما أمران غير سليمان إذ أن نسبة الفائدة يجب أن يترك أمر تحديدها لسوق عرض النقد الدفتري من النظام المصرفي وطلب السوق الاستهلاكي لهذا النقد، وبالتالي إستناداً إلى ثمن توازن متوسط النقد يحدد بناءً عليه سعر الفائدة النهائي.

وإعتبر أنه كان من الأجدى أن يجتمع حاكم المصرف المركزي بشكل دوري مع عناصر سوق النقد من مصارف وفعاليات السوق الإقتصادية، وسؤالهم عما إذا ما كانوا بحاجة إلى سيولة إضافية من أجل الإستثمار المنتج، وإذا ما كانت الإجابة نعم يقوم بتخفيض الإحتياطي الإلزامي ويتم توفير أموال إضافية للقطاع الخاص ويتم تكليف المصارف بأن تزيد من قروضها لهذا القطاع وبالتالي بمجرد إرتفاع العرض للقروض سوف يتراجع ثمن النقد منتجاً فائدة ملائمة للإستثمار خصوصاً وأن الفوائد المرتفعة لا يمكن لها أن تشجع على الإستثمار.

أما عن تجربة التدخل في تثبيت سعر الصرف، يتحدث يشوعي عن تجربة الولايات المتحدة في اتفاقية «بريتون وودز» عام ١٩٤٤ بمشاركة ممثلين عن ٤٠ دولة، حيث تم الاتفاق على تثبيت قيمة العملات الأجنبية أمام الدولار، وذلك من خلال تحديد سعر الدولار بميزان من الذهب من خلال قاعدة تجعل ٣٥ دولارا أميركيا تعادل قيمة أونصة الذهب. أدت هذه الإتفاقية إلى تضخم الكتلة النقدية من الدولار وتراجع مخزون الذهب مما دفع بالرئيس ريتشارد نيكسون في آب عام ١٩٧١ إلى إعلان امتناع بلاده «مؤقتا» عن استبدال الدولارات الورقية بذهب حقيقي، وأصبح ما أعلن مؤقتا دائما وأبديا، ولم تستبدل واشنطن الدولار لاحقا بتاتا بالذهب.

وإعتبر فيما خص السلع، أن جشع وطمع التجار مقابل غياب دور الدولة لتنظيم عمل الأسواق ومحاربة الإحتكار أدى إلى وقوعنا ضحايا لهؤلاء ولمطامعهم ضمن ما يشبه شريعة الغاب، وأكد عدم وجود ما يسمى بالسوق السوداء انما سوق «واقعية» كونها تنضوي على عمليات عرض وطلب، بينما الأسواق القائمة على سعري ١٥٠٠ و٣٩٠٠ تنضوي على طلب دون عرض، معتبرا انما حصل هو فشل ذريع للدولة في النجاح بإعادة النهوض بالإقتصاد والمجتمع اللبناني بعد الحرب الأهلية وأدى إلى جعل أصغر مضارب في سوق الصرف أقوى من المصرف المركزي نفسه. ورأى أن الدولة قامت ايضا بتغذية المذهبية في النفوس وبإرساء مبدأ التحاصص الطائفي لتقوم بعدها بالتضحية في هذه القواعد الشعبية المذهبية المرتهنة والمستزلمة للزعيم الذي تحاصص الضرائب والهبات الخارجية والودائع مع الزعماء الاخرين عوضاً عن استثمارها في تحسين نوعية الحياة في البلد.

وتحدث يشوعي عما أسماه بالدعم «المشؤوم» الذي كبّد الدولة ٨ مليار دولار، ومن ثم ما تلاها من ترشيد للدعم والذي كلف ٤ مليار دولار معارضاً ما حصل بشدة، معتبرا أنه من غير الجائز إستعمال أموال الناس لدعم الناس، وكان الأجدى ان لا يتم الضخ في هذه المتاهة التي كان يعلم المصرف المركزي أنها سوف تصل في الختام إلى نهاية محققة، بل ان تعاد هذه المليارات إلى المصارف لتقوم المصارف باعادتها إلى مودعيها بشكل شهري أو نصف شهري بالتنسيق مع لجنة مراقبة على المصارف لمنع تحويل هذه الأموال إلى الخارج خصوصاً وأن الإحتياطي الإلزامي هو على الودائع بالليرة اللبنانية وليس على الودائع بالدولار. واشار الى أنه لو حصل هذا السيناريو لكان إزداد العرض على الدولار وكانت قيمته لتساوي ٥٠٠٠ ليرة لبنانية كحد أقصى اليوم، ولكن للأسف النزف الذي حصل للمليارات كان على المزيد من التحويلات إلى الخارج للنافذين وعلى المزيد من الهدر للمحتكرين والمهربين وأصحاب النفوذ السياسي.

وتمنى يشوعي أن تكون الأزمة الحالية بداية التحول نحو الإقتصاد المنتج، ورأى أنها نهاية الجمهورية اللبنانية الثانية بشكل حتمي، وهناك إتجاه خارجي كما دوماً للتوجه نحو الحل الذي قد يكون بديل للطائف دون أن يخفي تخوفه من المس في المقدرات اللبنانية الجغرافية خلال هذه العملية التحولية.