من يعتقد أن المسّ بلقمة الفقير في لبنان خط أحمر فهو واهم.

المواطن أصبح تحت خطوط عريضة من الفقر والعوز، ومنتهك الحقوق الى حد فادح وفاضح.

لم يعد الرغيف اللبناني ذلك الخط الأحمر، الذي لا يجرؤ أحد على المسّ بقداسته، فتسعيرة الـ 4000 ليرة، كانت التسعيرة السادسة، فيما يتّم التلويح اليوم بالتسعيرة السابعة وربّما الثامنة، في حال تم رفع الدعم نهائيا عن المحروقات.

يمرّ لبنان هذه الآونة بأزمة شحّ مادة المازوت من السوق المحلي، علما أنّه وفق معلومات صحفية وزّعت إحدى المنشأتين النفطيتين الرسميتين مؤخراً 7 ملايين ليتر من هذه المادة في يوم واحد، إستفادت السوق الشرعية بـ 1% منها، بينما إختفى الباقي الذي يرجّح أنّه إمّا هرّب أو أنّ السوق السوداء إبتلعته، هذا في وقت أعلنت فيه منشآت النفط في طرابلس والزهراني إلغاء توزيع المازوت إلى حين صدور جدول أسعار جديد، وذلك بعد قرار مصرف لبنان بتحرير المحروقات، ولا أحد يعلم متى سيعاد التوزيع في أعقاب التجاذب والتخبّط السياسي الحاصل.

قرار الحاكم فاجأ المواطنين والمسؤولين على السواء، رغم تسريبات توحي بأنّ هناك شبه إجماع سياسيّ حوله، فكان الإعلان المسرّب ليلة 12 آب، بمثابة خطوة قاتلة في هذا التوقيت تحديدا، وتمظهرت الخضّة التي أحدثها بازدحام شديد أمام محطات الوقود، وتحركات شعبيّة مطلبية، فيما اعتبر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون القرارمخالفا لقانون البطاقة التمويلية. إلّا أنّ القرار جمّد ولم يلغى ما جعل المشهد ضبابيّا: هل رُفع الدعم عن المحروقات أم لم يرفع؟

أزمة الحاكم الهادفة لمرمى سياسي حكومي تبعا لبعض التحليلات السياسيّة، ألقت بتبعاتها على لقمة اللبناني المتبقية له من جملة مواد إستهلاكية إستغنى عنها لعجزه عن شرائها كالدجاج، واللحوم، والأسماك وغيرها الكثير من السلع، ما أفرز طوابير الخبز التي استجدت خوفا من غياب لقمة العيش.

كما أنّ مصير ربطة الخبز إنتاجا وتسعيرة، رهن لعوامل عدّة، كسعر المازوت، والقمح والسكر والخميرة والنايلون، إضافة لعامل التقنين وزيادة تشغيل المولدات، ليضاف إليها اليوم إحتمال تحرير سعر المحروقات، ما قد يضرب بتسعيرة تلك المقومات وتسعيرة الأربعة آلاف ليرة عرض الحائط.

إبراهيم: قرار حاكم مصرف لبنان أثار بلبلة ومنع

منشأة الزهراني من تسليم المازوت للأفران

«الديار» تقصّت تبعات انقطاع المازوت وإمكانيّة رفع الدعم عن المحروقات على قطاع الأفران والمخابز في لبنان، لا سيّما في ظلّ إقفال بعض الأفران أبوابها، وسألت ما إذا كان سيتّم رفع سعر ربطة الخبز مرة جديدة هذا العام!

نقيب أصحاب الأفران والمخابز في لبنان، علي إبراهيم أرجع إقفال بعض الأفران مؤخرا، إلى انقطاعها من مادة المازوت، مؤكدا أنّه إقفال مؤقت، وملمّحا إلى أنّ قرار الحاكم أحدث بلبلة أدّت لتوقف منشأة نفط الزهراني عن تسليم المازوت للأفران يوم الخميس 12 آب، ما قد يؤدي إقفال بعض الأفران والمطاحن في حال نفادها من المازوت. وقد حصل أن توقفت أفران كبرى عن توزيع الخبز بسبب غياب الطحين والمازوت، فيما بعضها ما زال لديه القليل من المخزون وسيبيع داخل صالاته، إنما لن يُوزّع على المحال.

وعن مبرّرات عدم تسليم منشأة الزهراني المازوت للأفران والمخابز علما أنّ قرار الحاكم لم يقرّ رسميا بعد، قال إبراهيم لـ»الديار» أنّ مدير منشأة نفط الزهراني أخبره أنّ هناك قرار بعدم توزيع المازوت لحين الإنتهاء من «الجردة «، لتحديد مخزون المازوت المتبقي في المنشأة.

وفي تصريح صحافي لافت لأمين سر نقابة الأفران في بيروت وجبل لبنان ناصر سرور قال فيه: “اتصلت بوزير الاقتصاد في حكومة تصريف الأعمال راوول نعمة وأبلغته أن عشرات الأفران أغلقت أبوابها وكان جوابه “أنا ما خصني روحو شوفو وزارة الطاقة”، وأضاف “دعم الطحين يشهد فساداً كبيراً من خلال دعم المواد غير الأساسية لا سيما “الطحين الإكسترا.

هذا التصريح المخجل لوزير الإقتصاد الذي يفترض أن يتابع التطورات وينسّق مع الوزارات الأخرى المعنية سعيا لإجراءات سريعة تحمي المواطن، أدّى إلى فلتان سوق الخبز فأصبحت الربطة تُباع في بعض المناطق بحوالى 15 ألف ليرة، كما انقطع الخبز عن مناطق بأكملها، فيما لو حصل هذا التصريح في بلد آخر لأقيل الوزير فورا.

ربطة الخبز الى 7000 ليرة في حال رفع الدعم!

تحدد وزارة الإقتصاد والتجارة سعر ربطة الخبز الأبيض، بناء على كلفة التصنيع والتوزيع والبيع، سابقا كان يبلغ سعر الربطة بوزن 1500 غرام 1500 ليرة، بعدها أصبحت 930 غراماً بـسعر 2500 ليرة، ثم رفع الوزن لـ 960 غراما بسعر 3000 ليرة، إلى أن وصلت لسعر 4250 ل.ل بوزن 883 غرام، واليوم تباع ربطة بحجم 915 غرامًا، بـ 4000 ل.ل.

لفترات طويلة اعتبر سعر الـ 1500 ليرة لربطة الخبز سعرا عادلا جدا، فيما يتلاشى عدل الرغيف اليوم -إن رفع الدعم بكلّيته- ليصبح رهينة لمحتكري الطحين والمازوت، فصناعة الخبز تستند الى مواد أولية تحلق كلّما حلق الدولار، ولا تنخفض بانخفاضه، ودرءا للتوقف عن انتاج ربطة الخبز، يرفض إبراهيم رفع الدعم عن المحروقات، بالأخص في ظلّ غياب البديل للمواطن الذي سيعجز عن شراء ربطة الخبز، إن أصبح سعرها 7000ليرة، موضحا أنّه بارتفاع سعر صفيحة المازوت سترتفع تلقائيا كلفة النقل، وسعر الطحين وسواها من مقومات إنتاج الخبز.

ويشرح إبراهيم لـ»الديار» أنّ الناس تظنّ أنّ الخبز مدعوم بمجمله، فيما الطحين هو المدعوم فقط ، أمّا باقي المواد كالخميرة والسكر تسعر وفق سعر الصرف اليومي وتابع:» اذا رفعوا الدعم سيرتفع سعر كيس «النايلون» من 670 ليرة إلى 1000 ليرة، وستزيد كلفة النقل من المطحنة» متسائلا: «من يستطيع أن يشتري ربطة الخبز بسبعة آلاف ليرة ! واقترح إعطاء بطاقة تمويلية كحل أوّلي ليتمكن المواطن من شراء ربطة الخبز بألفين أو 3000 ليرة.

وعند سؤاله: ما هي إجراءاتكم للحفاظ على سعر ربطة الخبز بـ 4000 ليرة؟ يجيب « بأنّنا كقطاع أفران حريصون على تأمين ربطة الخبز للناس بالسعر العادل، اليوم ليس وقت جني الأرباح، وأنّ الهدف هو الإستمرارية وتأمين الرغيف للمواطن»، مشيرا كذلك إلى أنّ «رفع الدعم ليس من مسؤوليتنا، نحن نعارض، ولكن لا نستطيع أن نغير» ، مضيفا أنّ الأفران والمطاحن تستلم المازوت بالسعر الرسمي أي 58 ألف ليرة للصفيحة الواحدة، ويصل مع كلفة النقل إلى 62 ألف ليرة .

كما أوضح أنّ وزير الإقتصاد والتجارة راوول نعمة أخبره أنّ سعر صفيحة المازوت قد يحدد بعد رفع الدعم بين 220 و225 ألف ليرة، فيما مازوت الأفران سيبقى مدعوما، وشرح أنّ قطاع الأفران لم يكن بأجواء رفع الدعم نهائيا، متسائلا عن الجهة التي إتخذت هذا القرار العشوائي ليلا!

واعتبر أنّ البلبلة التي حصلت إثر قرار سلامة، هي بمثابة إذلال للناس و»جسّ نبضهم» تمهيدا لرفع الدعم، مؤكدا أنّ تسعيرة الخبز لا تزال على حالها، وطلب من الأفران عدم شراء مادة المازوت من السوق السوداء، كي لا يساهم القطاع بارتفاع سعر الخبز، وطلب من كلّ فرن ينفذ لديه مخزون المازوت أن يتوقف عن العمل، لا أن يرفع سعر الخبز فهذا ممنوع. مطالبا المسؤولين إبقاء الدعم حتى تأمين البدائل، ومهيبا بهم ألّا يذلوا الناس أكثر، مضيفا أنّ رفع الدعم سيؤدي لانقطاع المادة، وإلى وقوف الناس بالطوابير أمام الأفران، وحصول إشكالات.

الرغيف جيد و نسبة الرطوبة العالية هي التي تساهم في تلفه

عند سؤاله عن الجودة اعتبر نقيب أصحاب الأفران والمخابز علي إبراهيم أنّ الخبز العربي في لبنان جيد، وأنّ جودة الرغيف تتأثر بعامل الرطوبة، وعندما»يتفتت» الخبز، فإنّ ذلك يعني أنّه يحتوي على نسبة رطوبة عالية إذ يجب أن تشكل 25% فقط من الرغيف، عازيا ذلك إلى تسريع عملية الخبز وقلّة الخبرة ، لافتا إلى أنّ هناك كشفا دوريا على الأفران من وزارة الإقتصاد لفحص جودة الرغيف، مشددا على أنّ ذلك لا يعتبر غشا.

حتى اللحظة، لا تزال خطوة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بشأن رفع الدعم عن المحروقات مجمّدة، فيما الواقع على الأرض ينوء بمنحيين: أولهما قطع طرقات و إقفال أفران وطوابير غاز وخبز ومحروقات، وثانيهما يتعلّق بكارتيلات النفط السياسيّة، التي ستستمر في إحتكار المحروقات وإستثمارها في السوق السوداء، أو تهريبها مقابل حفنة من الدولارات، وستستمر في عرقلة إتمام إتفاق النفط العراقي من خلال مماطلتها بتقديم المناقصات لوزارة الطاقة والمياه، تلك الكارتيلات التي تحجب المادة الحيوية عن البلاد، كي يبقى العباد غارقون في العتمة وفقدان الخبز والدواء، وهم من التغيير الحقيقي في سبات!

الأكثر قراءة

مسؤول سعودي لشخصيات لبنانية: اخطأنا بحق الاسد ودمشق