تواصلت اللقاءات بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلّف نجيب ميقاتي لإنجاز تشكيل الحكومة الجديدة في أسرع وقت ممكن، رغم حديث البعض عن ترحيل البتّ في تأليف الحكومة الى الأسبوع المقبل. ورغم عطلة عاشوراء الخميس، اجتمع الرئيس عون وميقاتي في قصر بعبدا في لقائهما الثاني عشر، غير أنّه جرى إرجاء لقاء الجمعة، لا سيما مع انعقاد الجلسة العامّة لمجلس النوّاب لتلاوة ومناقشة رسالة عون حول قرار حاكم مصرف لبنان رياض سلامة رفع الدعم عن المواد والسلع الحيوية والحياتية لا سيما المحروقات، وتداعياته السلبية على حياة المواطن. واتفق الرئيسان على استكمال البحث في التفاصيل الحكومية كلّما سنحت الفرصة. وإذا ما تسارعت اللقاءات وجرى التوافق على الأسماء التي يجري جوجلتها حالياً، فإنّه من المفترض أن يكون الأسبوع المقبل حاسماً لجهة ولادة الحكومة أو الاعتذار عن التكليف في حال تعثّرها في الأمتار الأخيرة. فهل ستؤدّي الخلافات على الأسماء، كما على توزيع بعض الحقائب الوزارية الى انخفاض منسوب التفاؤل بنسبة كبيرة وصولاً الى اعتذار ميقاتي، أم أنّ الأسبوع المقبل سيشهد المزيد من الاتصالات والمشاورات ويؤدّي الى ولادة الحكومة ضمن مهلة الشهر الأول على التكليف؟ 

تقول مصادر سياسية مطّلعة إن استمرار المشاورات بين الرئيس عون وميقاتي خلال عطلة عاشوراء وانعقاد الجلسة العامّة لمجلس الوزراء، يؤكّد على النيات الفعلية لدى الرئيسين لتشكيل الحكومة. كذلك فإنّ البيان التوضيحي الذي صدر عن مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية الخميس عن أنّ الرئيس عون ملتزم بالمعايير الواجب اعتمادها في توزيع الحقائب بعدالة ومساواة وفق ما يفرضه الدستور، وعن أنّه لم يَرِد في حساب عون المطالبة بالثلث المعطّل أي أنّه لا يتمسّك بعشرة وزراء وأنّ ميقاتي يُدرك هذا الأمر، وأنّ رئيس الجمهورية لم يُقدّم أي اسم حزبي للرئيس المكلّف، إنّما أسماء تتمتّع بالخبرة والكفاءة والاختصاص المناسب للوزارات المرشّحة لها.. كلّ هذه المعطيات إنّما تدلّ على أنّ الأمور تجري بشفافية ووضوح بين الرئيسين، في الوقت الذي تُحاول فيه بعض وسائل الإعلام التشويش على التوافق الحاصل بينهما. 

وشدّدت المصادر على أنّ الرئيس عون هو أكثر من يريد ولادة الحكومة لإنقاذ عهده من خلال وضع لبنان على سكّة الإصلاحات، على أن يستكمل الرئيس الجديد إنجازها بالكامل، فيما ميقاتي الذي وافق على هذه المهمّة يودّ أيضاً تذليل كلّ العقبات من أمام حكومته الجديدة لكي يتمكّن من إنقاذ البلد ومن معالجة الكوارث التي تلمّ به من كلّ حدب وصوب. من هنا، فإنّه ليس من مصلحة عون أو ميقاتي، على ما أضافت المصادر، عدم التشكيل أو اعتذار الرئيس المكلّف لأنّ ذلك سيُعيد لبنان الى نقطة الصفر، وهذا ما لا يسعى اليه الرئيسان ولا الكتل النيابية الراغبة في المشاركة في الحكومة الجديدة للتخفيف من معاناة الشعب اللبناني. ولهذا فإذا وُلدت الحكومة في غضون الأيام المقبلة، فسيكون ذلك ضمن مهلة الشهر التي حدّدها ميقاتي لنفسه بعد تكليفه (في 26 تمّوز الفائت) لإنجاز هذه المهمّة، رغم إعلانه أخيراً أن لا وقت محدّد للتشكيل، معيداً التأكيد على أنّ «المدة غير مفتوحة». 

وأكّدت المصادر عينها أنّ العرقلة الحالية لا تقتصر فقط على عدم التوصّل الى توافق نهائي بين الرئيس عون وميقاتي على تسمية الوزراء بالتوافق بينهما، على ما تقرّر، لكلّ من وزارات الداخلية والعدل والطاقة والشؤون الإجتماعية، إنّما أيضاً على سعي ميقاتي الى تلبية مطالب بعض الكتل النيابية التي تتمسّك بحقيبة وزارية دون سواها لا سيما «الشؤون الإجتماعية». علماً بأنّ رئيس الجمهورية وضع لائحة بأسماء اقترحها للحقائب التي تدخل ضمن حصّته، ويقوم ميقاتي حالياً بتفنيدها، كما طرح بعض الأسماء لها، فيما لم يُوافق الرئيس عون على اسم اللواء مروان زين الذي طرحه الرئيس المكلّف للداخلية وسبق وأن تمسّك به الحريري، من دون أن يُعطي أي اسم بديل. علماً بأنّه يجري التفتيش عن اسم محايد لهذه الحقيبة كون الإنتخابات النيابية المقبلة لا بدّ وأن يقودها وزير مستقلّ وغير حزبي لتأتي نتائجها شفّافة ونزيهة. في الوقت الذي جرى فيه حسم أمور عديدة مثل موافقة عون على اسم يوسف خليل لوزراة المال، وعلى إسناد حقيبة الصحة لمرشّح ميقاتي الدكتور فراس الأبيض (مدير مستشفى رفيق الحريري الجامعي)، ووزارة الأشغال لحزب الله، والاتصالات لتيّار «المردة»، والتربية والتعليم للحزب التقدّمي الإشتراكي. 

أمّا الأسماء التي يقترحها كلّ فريق فلا يحصل التوافق عليها من قبل الفريق الآخر خشية حصول أي منهما على «الثلث الضامن»، وإن كانت الأسماء من الشخصيات المستقلّة وغير الحزبية. كذلك فإنّ مسألة تسمية الوزيرين المسيحيين لم يتمّ التوافق عليها بعد، ولا على اسم الوزير الذي سيتولّى وزارة «الشؤون الاجتماعية». علماً بأنّ هذه الأخيرة سيكون لها دور كبير في المرحلة المقبلة، لجهة إنقاذ الشعب اللبناني من مأساته المعيشية والإجتماعية عن طريق البطاقة التمويلية، ومن خلال تقديم المساعدات الإنسانية الدولية للعائلات اللبنانية من الفئة التي أصبحت أكثر حاجة بفعل سياسات تجويع الشعب وتفقيره وارتفاع نسبة البطالة في صفوف أبنائه، لا سيما الشباب المثقّف منهم الذين لجأوا، مع الاسف، الى الهجرة أخيراً الى دول الخارج وبأعداد كبيرة.  

ولا تخفي المصادر نفسها محاولة البعض في الداخل تعطيل التوصّل الى اتفاق نهائي بين الرئيس عون وميقاتي، كون تشكيل الحكومة يُنقذ عهد عون سيما أنّ دول الخارج تعد بمساعدات دولية فورية وبقروض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بعد ولادة الحكومة، ولأنّ وجود ميقاتي اليوم على رأس الحكومة يؤهّله للاستمرار في السراي الحكومي الى ما بعد انتهاء عهد عون، والى بقاء مقاليد الحكومة بيده في حال لم تستقل منذ تشكيلها الى ذلك الوقت، لسبب أو لآخر. 

من هنا، فإنّ منسوب التفاؤل لا يزال يتمايل صعوداً وهبوطاً، على ما أضافت المصادر عينها، ليبقى تفاؤلاً حذراً. فالشعب اللبناني لم يعد يُصدّق بأنّ الحكومة ستُشكّل خلال أيّام، إلاّ بعد صدور المراسيم ذات الصلة. فولادة الحكومة باتت أكثر من ضرورية، وخصوصاً أنّ البلاد سائرة نحو الإرتطام الكبير، الأمر الذي سيُضاعف المسؤولية على الجيش والأجهزة الأمنية، في ظلّ غياب القرار السياسي.