لم نفهم ما الداعي لمشاركة فرنسا، بالذات، في قمة بغداد. هي التي تبحث بين الأنقاض الأميركية، عن دور ما يعيد اليها بعض الألق (أو بعض الصخب) البونابرتي!

أيضاً لم نفهم كيف تنتظم العلاقات بين مصر وتركيا، وبين السعودية وتركيا، وبين فرنسا وتركيا، وحيث النظام عرّاب «الاخوان المسلمين». النظام الذي يستخدم التاريخ، بكل دمويته، والايديولوجيا، بكل أهوالها، لاعادة احياء سلطنة وصفها ول ديورانت بـ»وليمة الدم» ...

يحدث هذا دون انتظام العلاقات بين مصر وسوريا، وبينهما كل ذلك التاريخ، وكل تلك الجغرافيا. (هنا عبقرية التاريخ وعبقرية الجغرافيا)، ودون أن تنتظم العلاقة بين السعودية وسوريا، وهي علاقة القلب بالقلب من شبه الجزيرة الى ضفاف المتوسط .

أليست دمشق مثل بغداد حاضرة العرب، والعروبة ؟ صُدمنا بمشهد القمة. كيف يمكن لمياه بردى ألاّ تجري في دجلة ؟ وكيف يمكن لمياه دجلة ألاّ تجري في بردى؟ يا لذاك التاريخ حين يقف على ساق خشبية!!

نعلم أن مصطفى الكاظمي، بكل حمولته الأميركية، لم يكن ليدعو الى مثل هذه القمة لولا ايعاز من واشنطن التي لم تعد تعلم أين يمضي الشرق الأوسط، وهي التي تدرك أي تداعيات دراماتيكية للحدث الأفغاني، للفضيحة الأفغانية، على البلدان الحليفة في المنطقة

شخصية سياسية عراقية (شيعية) اتصلت بي لتسال «لماذا لم تكتب عن قمتنا العجيبة»؟. هذا قبل أن تعلن النتائج التي كان يمكن أن تكون ضبابية، أوفولكلورية، لو لو لم يظهر لنا أنها القمة المبرمجة والتي لا بد أن تكون لها أهدافها (الأميركية) الخفية بعدما اختير الأردن (وما أدراك ما الأردن؟) لاستضافة القمة المقبلة.

الشخصية اياها تحدثت عن العلاقات السريالية بين الدول المشاركة. قال «مشكلتنا في العراق، بتلك السلسلة الطويلة من الديكتاتوريات التي نشأت مع سقوط الملكية عام 1958، وبعد الغزو الأميركي لبلادنا، أننا تحولنا الى دولة هشّة، وتلهو بنا الرياح. نحن ورثة كل تلك الآلام، وكل تلك الأسئلة (حتى في معنى الوجود وفي معنى العدم ابان العهد السومري)، حالنا حال».

رأى «أن حالنا مثل حالكم. ركام بشري وقابل للانفجار ولو بعود ثقاب. لذلك نحن بحاجة الى تركيا، والى ايران، والى السعودية، وحتى الى الأردن وقطر، لعدم الانزلاق الى الفوضى والاقتتال. بطبيعة الحال، نحن بحاجة ماسة الى المايسترو الأميركي، وان كان المشهد الأفغاني قد هز عظامنا. ماذا ينتظرنا عندما يغادرنا الأميركيون؟».

سألت «كيف يمكن للعلاقات بين ايران وتركيا أن تكون على ذلك المستوى من العمق والتميز، وان كنا ندرك حساسية البوابة التركية بالنسبة للآقتصاد الايراني المنهك، علماً بأن رجب طيب اردوغان، بذهنية الباب العالي، لم يتوقف يوماً عن السعي للاستيلاء على حلب والموصل، باعتبارهما جناحي السلطنة؟».

«حتماً للاستيلاء على كامل المنطقة، وصولاً الى أعالي آسيا، في حين تحيط ظلال كثيرة بالعلاقات الايرانية ـ السعودية، مع قناعتنا بضرورة ايجاد حل سريع، وشامل، للوضع التراجيدي في اليمن الذي يعتقد السعوديون أنه يرتبط، عضوياً، بأمنهم الاستراتيجي، ولكن، في نظرنا، بالشراكة، والتعاون، لا بالتبعية».

الشخصية العراقية تستدرك ضاحكة «الا اذا كنا نستعيد دعوة سيف بن ذي يزن كسرى أنو شروان للمساعدة على اجتثاث الاحتلال الحبشي، وهذا ما حصل فعلاً»...

تضيف «هنا اللغز الايراني. هل محمد بن سلمان الذي حد، الى درجة بعيدة، من سيطرة أصحاب الرؤوس المقفلة على المسار الديني في المملكة، أشد خطراً على الشيعة من رجب طيب اردوغان الذي لا يعترف بالشخصية الدينية لنحو 15 مليون علوي على الأرض التركية؟».

يختم «بعد استشراء ثقافة الفساد في بلادنا على ذلك النحو الكارثي، أنا، ايضاً، لا أثق بأي سياسي عراقي بمن فيهم أنا شخصياً. هذا لا يمنعني من السعي لدى الكاظمي وغيره من أجل المضي في مساعي التفاهم بين الرياض وطهران. من هنا تبدأ قصة أخرى بالحد من السياسات المجنونة التي تفضي بنا الى الهاوية».

من هم أصحاب السياسات المجنونة؟!