توقّفت الإتصالات بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلّف نجيب ميقاتي خلال الأيام الأخيرة الماضية، التي تجري بوساطة مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم رغم المساعي التي كانت سائرة على قدم وساق قبل الخميس الفائت، وأدّت الى التوافق على تشكيلة حكومية شبه نهائية من دون تحديد أي موعد للقاء الرابع عشر بين الرجلين في قصر بعبدا. في الوقت الذي يُنذر فيه طرح ميقاتي الأخير عن تشكيل «حكومة إنقاذ تنفيذية» تُخرج البلاد من الأزمة الكارثية، وتتكوّن من 14 وزيراً هم شخصيات سياسية لها تأييد ودعم سياسي وحزبي واسع مثل بهيّة الحريري، وتمّام سلام ووليد جنبلاط وسليمان فرنجية والياس المرّ وسواهم، الى محاولة قلب الطاولة نهائيّاً ونسف التشكيلة الحكومية برمّتها. فهل دخل تشكيل الحكومة في حالة الجمود مُجدّداً في ظلّ انتظار تنازل فريق لمصلحة الفريق الآخر، أم أنّه على الفريقين التنازل لمصلحة لبنان والشعب اللبناني، أم أنّ ميقاتي سيُقدّم اقتراحه الأخير للمناورة أم تمهيداً للإعتذار عن التكليف؟!

مصادر سياسية عليمة ترى بأنّه كان لا بدّ من هدنة قصيرة وتبريد للأجواء بين عون وميقاتي بعد صخب البيانات الإتهامية الأخيرة بين بعبدا والبلاتينوم، وإن جرى توضيح الأمور وحسم مفاعيلها سريعاً بهدف استكمال المشاورات لتشكيل الحكومة. غير أنّ طرح ميقاتي الذي نشره في الإعلام قبل طرحه على عون كونه شريكاً له في التشكيل، فيحمل معانٍ كثيرة:

*أوّل هذه المعاني، تطيير التشكيلة الحكومية التي سبق وأن جرى التوافق عليها والتي كانت تبحث أخيراً في موافقة عون على حصول الرئيس المكلّف على وزارة الإقتصاد بعد تخلّيه عن الشؤون الإجتماعية لصالح رئيس الجمهورية، بهدف أن يبقى شريكاً في المفاوضات التي ستجري لاحقاً مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والجهات المانحة. فضلاً عن حلّ عقدة الوزير المسيحي الثاني من خارج الحصص، وإعادة النظر في إسم وزير الداخلية والبلديات القاضي المتقاعد بسّام المولوي الذي يريده ميقاتي، كون البعض يعتبره محسوباً على الرئيس المكلّف السلف سعد الحريري. 

*وثانيها، أنّ ميقاتي لا يهمّه توزيع الحقائب ولا التسميات التوافقية التي تهدف الى حصول الفريق الرئاسي على «الثلث المعطّل المقنّع»، من وجهة نظره»، في الوقت الذي يُحاول فيه إرضاء الجميع ولا سيما الرئيس الأسبق للحكومة سعد الحريري، على حسابه. ولهذا سمّى جهاراً شخصيات حزبية غير مستقلّة تعمل علانية على تنفيذ سياسات أحزابها وتقوم بتأمين مصالح طوائفها من فوق الطاولة.

* ثالثها أنّ الشخصيات التي سمّاها ميقاتي، وهي الى جانبه: تمّام سلام، بهيّة الحريري، سليمان فرنجية، ابراهيم كنعان، جورج عدوان، ياسين جابر، محمد فنيش، جهاد مرتضى، وليد حنبلاط، آول بقرادونيان، فريد مكاري، الياس المرّ وغسّان سلامة والتي تُمثّل جميع القادة السياسيين في البلاد بشكل مباشر، هدف من تسميتها تحسين علاقته مع جميع الأحزاب والقوى السياسية في البلد. فالجميع يعلم بأنّ غالبية هذه الشخصيات لم تعد تطمح للتوزير مجدّداً، فيما بعضها الآخر هو نسخة عن زعيمه أو قائده وإمكانية التوافق معه داخل الحكومة، ستكون نفسها في حال عدم توافقه مع السياسي من الصفّ الأول.

من هنا، أكّدت المصادر عينها بأنّ  طرح ميقاتي لا يبدو جديّاً رغم الحديث عن أنّه يتجه الى طرح هذه التشكيلة على رئيس الجمهورية أول الأسبوع المقبل. كما ترى بأنّه طرح هذه التشكيلة الحكومية بهدف عودته الى الحياة السياسية، وليس بهدف تشكيل هذا النوع من الحكومات. لهذا فإنّ اقتراحه هذا لا يعدو كونه «مناورة» من أجل العودة الى التشكيلة الحكومية الأخيرة وكسب بعض المطالب، أو انتظار رفضها من قبل عون لكي يلقي بلائمة تعطيل ولادة الحكومة على رئيس الجمهورية بعد شرح أسباب اعتذاره عن التكليف.

في المقابل، أوضحت المصادر أنّ اللواء ابراهيم الذي يسعى الى إعادة المياه الى مجاريها بين عون وميقاتي وأن يُكملا شراكتهما من حيث وصلا في التشكيلة الحكومية، كان منشغلاً في المشاركة في مفاوضات أخرى إذ كان من ضمن الوفد اللبناني الذي اجتمع السبت مع وفد سوري في وزارة الخارجية السورية للبحث في موضوع استجرار الغاز المصري الى لبنان عبر سوريا، على ما اقترحت الإدارة الأميركية عبر سفيرتها الأميركية في لبنان دوروثي شيا. وهذا يعني محاولة رفع «قانون قيصر» الذي كان مفروضاً من قبل الولايات المتحدة على سوريا ويؤثّر سلباً على لبنان، وإن بطريقة غير مباشرة. 

وعن الزيارة الرسمية التي قام بها الوفد الحكومي اللبناني الى سوريا والتي اعتبرت أنّها تجري على أعلى مستوى منذ 10 سنوات، سيما وأنّ قيام وزراء عدّة في الحكومة المستقيلة وفي حكومة الرئيس الحريري السابقة بزيارات خاصّة عدّة الى سوريا واجتماعهم بنظرائهم لم تكن تحصل بموافقة حكومية، ذكرت بأنّها تندرج ضمن جلسة محادثات رسمية بين البلدين لمتابعة خطّة استجرار الطاقة من مصر عبر الأردن الى سوريا ومن ثمّ الى لبنان. هذه الإتفاقية التي جرى توقيعها منذ أعوام بهدف جرّ الغاز المصري من شمال سيناء الى لبنان عبر الأردن ومن ثمّ سوريا، الأمر الذي يُمكّنها من إنتاج كميّات إضافية من الكهرباء لوضعها في الشبكة التي تربط الأردن بلبنان، من خلال وصولها الى حمص ومن ثمّ الى دير عمار في لبنان، غير أنّها توقّفت بسبب الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على سوريا في العام 2011. ولكن مع اقتراح السفيرة دوروثي الأخير وقولها بأنّ «هناك إرادة لتنفيذ الخطّة»، عاد المشروع ليُصبح موضع نقاش مجدّداً بين وزراء البلدين المعنيين من أجل إعادة إحياء الإتفاقية المذكورة.  

 وشدّدت على أنّ الوفد اللبناني اطّلع من نظيره السوري خلال المحادثات التي دامت على مدى ساعتين على موافقته وقدرته على السير في هذا المشروع، كما على تفاصيله الأوليّة، وقد رحّبت سوريا بالطلب اللبناني لاستجرار الطاقة، على ما أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني السوري نصري خوري عن حصيلة المحادثات بين الوفدين. وأكّد أنّ الوفدين اتفقا على متابعة الأمور الفنيّة التفصيلية من خلال فريق فنّي مشترك. وهذا يعني أنّ اللقاءات ستتواصل تقنياً من أجل وضع المشروع على سكّة التنفيذ سريعاً . في الوقت الذي تُجري فيه الولايات المتحدة محادثاتها مع كلّ من مصر والأردن لمساعدة لبنان في إيجاد حلول ناجعة لأزمة الطاقة فيه. أمّا العقوبات الأميركية فسيُغضّ الطرف عنها، رغم أنّها كانت على مدى السنوات الماضية عاملاً إضافياً في تضييق الحصار «البرّي» على لبنان، وعدم تمكّن دول الجوار من مساعدته على حلّ بعض أزماته.