بنبرة من يتلو الكتاب المقدس، قال البطريرك «المجتمع اللبناني فاسد». هل يمكن لذاك الركام الطائفي، والقبلي، أن يدعى ... المجتمع اللبناني؟!

لن نسأله: لماذا لا تضرب بصولجانك لصوص الهيكل، وشعار البطاركة «مجد لبنان أعطي له» ؟ لا بد أنه قرأ ما قاله تيار دون شاردان حول «أزمة الله في هذا العالم» . ماذا عن أزمة الله في لبنان؟

الفيلسوف والكاهن اليسوعي الفرنسي قال «كل مساء أغتسل بالله لتبقى روحي نقية كما روح السيدة العذراء». من جعل اللبنانيين يغتسلون، على مدار الساعة، بالشيطان لكي يتحولوا الى مستودعات للكراهية، وللغرائزية، الطريق المثلى الى... السيد الفساد؟

الكنائس والمساجد تغص بالمصلين (وما أدراك ما الصلاة !). ليتكم ترون رجل الدين وهو يتكلم عن «عذاب القبر» قبل أن يستقل سيارته الفارهة، ومعه المرافقون بالنظارات السوداء وبالوجوه الخشبية. هكذا يؤدي قسطه للبشر ولاله البشر...

في أي عالم نعيش حين تكون وول ستريت (ونجمها جورج سوروس) هيكلنا المقدس. الى هذا الهيكل تصل صلواتنا، وتصل أدعيتنا. بأيدينا أقفلنا أبواب السماء لأننا أقفلنا أبوابنا (قلوبنا) في وجه بعضنا بعضا.

من يصنع الفساد في العالم؟ أليسوا أباطرة هذا الزمان الذين يستنزفون ثروات الآخرين، وأزمنة الآخرين، وبالصلاحيات التي انتزعوها عنوة من الكتب المقدسة؟ ماذا كانت تفعل أميركا في أفغانستان، وماذا تفعل الآن في العراق وسوريا؟ ولماذا كل تلك الأساطيل عند شواطئنا. ليست هنا لتحمل الينا رؤيتها لكيفية التفاعل مع مفاهيم الحداثة والشفافية. هي هنا لحماية عروش الفساد، ولتكريس ثقافة الفساد وايديولوجيا الفساد.

لنتذكر أن المخرج الياباني أكيرا كوروساوا قال غداة قنبلة هيروشيما «في تلك الليلة، فوجئت بالسيد المسيح يتكئ على كتفي ويبكي». أولئك الذين قضوا في الحربين العالميتين الأولى والثانية انما قضوا بصراع الآلهة الذي بات صراع الأسواق.

في لبنان، من يصنع الفساد؟ هذه، قطعاً، ليست بالآفة الطارئة. أين كان دور «حكماء الجمهورية» في الحيلولة دون استشراء الفساد بذلك الايقاع الكارثي الذي مضى بنا الى الخراب؟ الدولة، بقوة الدستور، وبقوة القانون، والأهم بشفافية رجال الدولة، تقطع الطريق على الفساد. الثقافة الغربية هي التي قالت لنا إن اليهود الأكثر عشقاً (وتعبداً) للمال. كارل ماركس لاحظ كيف أن اله المال (عند الفراعنة برأس ضفدع) حل محل يهوه.

بالرغم من ذلك، أي سياسي في «اسرائيل» يتجرأ على المال العام ؟ اسحق رابين رئيس الوزراء، استقال لأن زوجته أودعت عشرة آلاف دولار في مصرف أجنبي. ايهود أولمرت، رئيس الوزراء الآخر، وراء القضبان بسبب حفنة من الدولارات. وها هو بنيامين نتنياهو يهرب  كما الفأر من المثول أمام القضاء بدعاوى مالية.

ماذا لو فعلنا الشيء نفسه في لبنان. كم سياسي يبقى في غرفة نومه؟ أقل من أصابع اليد أولئك الذين لم تتلطخ أيديهم، وتتلطخ وجوههم، بالمال العام.

ألفرد نقاش، رئيس الجمهورية ابان الانتداب، كان يمشي في الأشرفية بحذاء ممزق، ولكن برأس فرنسيس الأسيزي. ألا يستحق هذا الرجل أن يطوّب قديساً حين نكون في غابة الذئاب. ذات يوم، الأجراس قرعت لرئيس جمهورية هو أحد مهراجات الفساد.

كلنا فاسدون، وكلنا لصوص، وكلنا رعايا المغارة لا رعايا الدولة. لقد ناءت ظهورنا بالمواعظ. لا أحد جعلنا نغتسل بالله لا بالشيطان. مسؤولية من؟

الفساد عندنا ثقافة، فلسفة حياة. في هذه الحال، كيف نقاتل «اسرائيل» اذا كنا باسناننا نأكل بعضنا بعضا.   نقيب الصيادلة يحجب الأدوية عن مرضى السرطان، و»الحاج الجليل» يبيع أرواح الناس بثلاثين فضة، وهو الذي يستشهد بأبي ذر الغفاري؟

على أكتافنا نرفع ديناصورات الفساد لأننا، برؤوس مرفوعة، نقتات من الفتات. فتات موائدهم العامرة.

يا أصحاب المعالي، ومنكم من هو بمواصفات الببغاء، من فضلكم كفى ضحكاً على لحانا. ليكن البيان الوزاري خالياً، كلياً، من أي كلمة حول مكافحة الفساد...

الأكثر قراءة

مسدس سعادة النائب