يولد الإنسان ليبقى في حالة بحث دائم عن حياته الضائعة بين عمر الزمن الهارب، فيستيقظ في كنف عائلة لم يخترها، حاملاً اسماً لم ينتقيه، مُلتزماً بدين انتقل اليه بالوراثة، منتمياً لجنسية مُنزلة كُتبت له فوراً على أوراق اعتماده الثبوتية، فيقبل بواقع سيقطع فيه أشواطاً حتى يجد الأمان ويحدّد الإستقرار في الهرولة لبناء قاعدة أساسية ترسي على هويته ، علّ الخلاص في الثبات الدائم... إلا في لبنان، بات التفكير في صناعة المستقبل وبنائه حلما عجز الصغار والكبار عن تحقيقه.

بعد الطفولة، ترسي سفينة المولود في ميناء المراهقة، هنا يبدأ بناء الشخصية، فيسأل المراهق نفسه هل سأثبت ذاتي؟ هل سأجد ما أبحث عنه؟ هل سأحقق ما أطمح إليه؟ لتكون الحياة في لبنان في هذه المرحلة عقبة أمام إيجاد أجوبة الأسئلة تلك، فهل سيعيش المراهقون هذه المرحلة بالطريقة الصحية الصحيحة؟ وكيف تؤثّر الأزمة اللبنانية على تكوين شخصياتهم؟ وأيّ ثمار سيقطفون في المستقبل بعد أن باتوا يروون الجذور بقطرات الأزمات والعراقيل؟

بحسب تقرير نشرته منظمة الصحّة العالمية في كانون الثاني 2021، فان الاكتئاب هو أحد الأسباب الرئيسية للمراضة والإعاقة بين المراهقين، والانتحار هو ثالث أسباب الوفاة الرئيسية في صفوف من تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عاماً. وتستأثر حالات الصحة النفسية بنسبة 16% من العبء العالمي للمرض والإصابات في صفوف هذه الفئة العمرية. وتبدأ المعاناة من نصف اضطرابات الصحة النفسية إجمالاً في مرحلة البلوغ ابتداءً من سن 14 عاماً، ولكن معظم حالاتها تمر دون كشف أو علاج.

ويضيف التقرير الى أنّه ثمة عوامل كثيرة تؤثر على رفاه المراهقين وصحتهم النفسية. فالعنف والفقر والوصم والاستبعاد والعيش في أوضاع إنسانية هشة، جميعها عوامل قد تفاقم خطر الإصابة بمشاكل الصحة النفسية. وتمتد عواقب إهمال علاج حالات الصحة النفسية لدى المراهقين الى مرحلة البلوغ، مما يضعف صحتهم البدنية والنفسية على حد سواء، ويقلّل فرص عيشهم حياة حافلة بالإنجازات عند بلوغهم.ويمكن أن تساعد تنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية لدى الأطفال والمراهقين وتزويدهم بالدعم النفسي والاجتماعي في المدارس والأوساط المجتمعية الأخرى في تعزيز تمتعهم بصحة نفسية جيدة. ومن الضروري أيضاً وضع برامج تساعد على توطيد الأواصر بين المراهقين وأسرهم وتحسّن نوعية بيئاتهم المنزلية. وينبغي في حالة نشوب المشاكل الكشف عنها وإدارتها في الوقت المناسب على يد عاملين صحيين مختصين وعطوفين.

طبّ الأطفال يُحذّر... احموا أولادكم بنفسكم!

في لبنان، وفي ظلّ الأوضاع المتردية الراهنة، يصعب على الجيل المراهق استيعاب أعباء الأزمة وتردّي الوضع المعيشي، فالتخوف من لمس ارتفاع في مؤشّر المشاكل النفسية لدى المراهقين بات جلياً، خاصّة بعد عامين غير اعتياديين أقفلت فيهما المدارس أبوابها، إضافة الى بدعة التعليم عن بُعد، ناهيك عن فرض منع التجّول التي فرضتها تداعيات جائحة كورونا.

وفي هذا المجال كشف طبيب الأطفال جوني نصر لـ «الديار» أنّ الأزمة الحالية بتفرعاتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية حطّت رحالها على الأطفال والمراهقين بطريقة مباشرة وغير مباشرة على حدّ سواء، أدّت الى التماس حالات كثيرة من الإنعزال عن مجتمعهم وأصدقائهم ومحيطهم.

ويشرح نصر قائلاً: «نفسياً، المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الأهل الذين يُسبّبون دون دراية في زيادة نسبة الإرتباك لدى المراهقين خاصّة بعد تداول الأخبار كافّة بتفاصيلها أو بالمسايرة الإجتماعية أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي، فالمراهق خزّان معلومات، يحفظها، يُحلّلها ثمّ يتعايش مع تحليلات فيها نوع من الوسواس والخوف، فتبصر النور سلوكيات جمّة تؤثّر على بناء شخصيته وصحتّه خاصّة بعد تغيير جذري بالحياة الإجتماعية التي أقفلت أبوابها لمدى عامين والبعض اضطر الى تغيير سكنه أو بلده حتّى، فليس بالأمر السّهل على المراهق أن يتفهّم كلّ هذا التغيير».

ويضيف: «من الممكن شرح الوضع المعيشي والإجتماعي للمراهق دون توصيف مُفرط مع اعتماد أسلوب التسهيل في إيجاد الحلول، والتأكيد له على أنّ الأزمة ليست ثابتة وستزول إلا أنّها بحاجة للوقت، فالوقت كفيل بلمس الجانب الإيجابي»، ويشير الى»انه من الناحية الصحّية، فالمشاكل النفسية التي تؤدّي للإنحراف في بعض الحالات واللجوء للممنوعات في سنّ المراهقة، تُخّلف مشاكل وأمراضا صحيّة أيضاً كالسمنة الزائدة التي تؤدي الى مشاكل في العامود الفقري ومشاكل في الدورة الشهرية لدى المراهقات، إضافة الى ارتفاع نسب الكوليستيرول والتريغليسيريد، خاصّة وأنّ لدى اللبنانيين استعدادا جينيا لمشاكل الكوليستيرول والتريغليسيريد، لذلك يُنصح بالفحص المبكر عن عمر السبع سنوات».

وعن الحلول التي يجب اتباعها، يُشدّد نصر على دور الأهل في الرعاية الصحيحة ويقول: «يلعب الأهل الدور الأهمّ في حياة أولادهم في مختلف مراحل حياتهم وأهمّها المراهقة، فننصح الأهل دائماً بوجوب التقيّد بقوانين الصداقة مع أولادهم في ظلّ الحفاظ على مقومّات أسس التربية، وأن يكونوا مرجع الأمان لأبنائهم وإن أخطأوا، كي يُحافظوا على علاقة الثقة في ما بينهم، إضافة الى دورهم في المتابعة الصحية ، خاصّة لناحية تلقي اللقاحات اللازمة حتى سنّ 18، فللأسف في هذه الفترة الإقتصادية الصعبة، الأهل يُبدّون أطفالهم الصغار في عملية التلقيح لأسباب مادّية، إلا أنّ اللقاحات من عمر 16 الى عمر 18 هي الأهمّ خاصّة لقاح عنق الرحم عند المراهقات.

واكد ان «المواكبة اللازمة هي صحية، نفسية وروحية بالتوازي، ويتوجّب على الأهل ملاحظة سلوكيات أولادهم وزيارة الأطباء النفسيين إن اقتدت الحاجة منعاً لتراكم المشاكل النفسية والعقد لدى المراهقين. كما وأُشدّد على المتابعة الروحية في الصلاة والتأمّل والرجاء، وحثّ المراهق على القيام بالنشاطات الرياضة وأخرى تجعله منخرطا بالمجتمع مما يجعله يُحافظ على صحّته الجسدية ويُكوّن شخصيته ما يُخوّله مع الأيام اتخاذ القرارات الصحيحة في حياته».

ربّما ليست المرّة الأولى التي يعاني منها لبنان من مشاكل في ساحاته، إنّما الساحة لم تعد تتسّع لكمّ هائل من الأزمات في مُختلف الأصعدة، وليست المرّة الأولى التي يربى فيها جيل مراهقين بمشاكل مُنزلة لم يختاروا أن يكونوا جزءاً منها، إلا أنّها فرضت نفسها، فمراهقوالحرب اللّبنانية هم رجال اليوم... فهل نعوّل على رجال الغد أم أنّ الزّمن تبدّل؟ احموا أولادكم اليوم، تفخرون بهم غداً!

الأكثر قراءة

لبنان يتجاوز فتنة الطيونة... التحقيقات تتوسع وافادات مفصلة للموقوفين حزب الله و «امل»: لن ننجرّ الى حرب اهلية... ونعرف كيف نحفظ دماءنا والايام ستشهد عودة مجلس الوزراء تنتظر اتصالات الاسبوع المقبل وتبريد الاجواء