لو أمضى جورج قرداحي بقية سنّي عمره (أطال الله بعمره) لما كان وصل بالشهرة الى هذا الحد ببضع كلمات لا تقدم ولا تؤخر حول حرب اليمن...

في صنعاء، فاقت شهرته شهرة سيف بن ذي يزن. اهل المدينة، وللمرة الأولى منذ ظهور يعرب بن قحطان، يطلقون على أطفالهم اسم «جورج». على مواقع التواصل قارن البعض بينه وبين جمال عبد الناصر (ياهووو..!!!). ولو استرسلوا لانتهوا عند طارق بن زياد، أو عند عقبة بن نافع، وصولاً الى القعقاع بن عمرو التميمي!

على الضفة الأخرى، زميلة له سابقة على الشاشة، وفي الوزارة، ولطالما تغنت بعينيّ، وأذنيّ، آرييل شارون، كادت تدعو الى تعليقه على حبل المشنقة بتهمة الخيانة العظمى. في هذا «الزمن الابراهيمي»، لا رجال في دنيا العرب الا من شوهد يطوف، خاشعاً، حول الهيكل.

لهذا نقول للرجل الدمث الذي لم يسئ، طوال حياته لفراشة، فكيف يسيء الى مملكة، اياك أن تستقيل لا خشية على انفجار الحكومة، وهي الدجاجة العرجاء التي تتعثر حتى بحبة القمح، وانما لأن تلك الهالة التي هبطت عليك لا بد أن تتبدد. المسألة أكبر منك، ومنا. المستشارون الذين اتخذوا من كلامك ذريعة للحرب على لبنان، لايعوزهم فقط الحد الأدنى من الرؤية السياسية، بل والحد الأدنى من العقل السياسي...

لا بأس، مثلما نحن في زمن الوثنيات الكبرى، نحن في زمن التفاهات الكبرى. أحد الكتبة وصف وزير خارجية عربي يليق به لقب «الطنجرة الفارغة» الذي لازم مايك بومبيو، بـ» ميترنيخ العرب»، وبـ «تاليران العرب». بالكاد يصلح فيه لقب «غوار الطوشي العرب».

وسط هذا الضجيج تعلن طهران، للمرة العاشرة ربما، أن المحادثات مع السعودية ودية، ودافئة، ومثمرة. أين مكان جورج قرداحي بين هذه الكلمات؟

نفهم أنه لدى اجراء أي مفاوضات، شاقة، يتم تأجيج الأرض والسماء، للضغط على مسار هذه المفاوضات. في الحالة اليمنية أي مفاوضات دافئة، تعقد بين القبور؟

لعل الرئيس نجيب ميقاتي سمع في غلاسكو أن قصة جورج قرداحي بمثابة سيناريو رديء بين يدي مخرج رديء. قد يكون هناك من قال له اذهب الى طهران وحاول أن تقنعهم بأن يوقف الحوثيون اطلاق المسيّرات في اتجاه المملكة. آنذاك، يمكن أن يفتح قصر اليمامة للوسيط العماني، أو للوسيط القطري، ناهيك عن الوسيط الأميركي أو الفرنسي.

وللمناسبة، الحكومة لم تتوقف عن العمل بسبب ما تفوّه به صاحب المعالي، بالتداعيات المضحكة والمبكية في آن. وانما لأن هناك الأيدي الغليظة، وقد تكون بينها الأيدي التي افتعلت الأزمة الراهنة، والتي لا تريد للبنان أن يرسم ولو خريطة طريق للخلاص، تنفيذاً لذلك السيناريو الذي وضع، في الغرف السوداء، للذهاب بنا الى ما بعد، ما بعد، جهنم!

حتى منذ ما قبل الخمسينات من القرن الفائت، وحلول الأمبراطورية الأميركية محل الأمبراطوريتين البريطانية والفرنسية اللتين لفظتا أنفاسهما الأخيرة على ضفاف السويس، والرياح الاقليمية والدولية تبعثرنا كما لو كنا حفنة من الرمال، على وقع الحرب الباردة بين نصف الكرة الغربي ونصف الكرة الشرقي.

الآن، واذ تتقاطع الرياح الاقليمية والدولية على ذلك النحو الفوضوي، ليتحول لبنان، كالعادة، الى حلبة للصراع ولو بالسلاح الأبيض، ندفع من دمنا، ومن أعصابنا، وحتى من وجودنا ثمن تلك الصراعات (النزوات) التي لا توصل الى مكان. أي لبنان ذاك الذي أمامنا، وما هو المصير الذي ينتظر اللبنانيين الذين طالما تبعثروا حيناً على أرصفة الأمم، وحيناً بين مضارب القبائل؟

سبق وقلنا أن العديد من صحف الخليج، وشاشات الخليج، تتعامل معنا كما لو أننا الخوارج. دعوات عاصفة للاقتصاص منا، ولو برغيف الخبز. هذا مع التأكيد بأن الأيام المقبلة ستكون أشد هولاً اذا لم نغيّر سياستنا...

ياجماعة، متى كانت للبنان سياسة، ومتى كان لحكامنا أن يصنعوا سياسة خاصة بالجمهورية، وبمستقبل الجمهورية (كما لو أن حال العرب ليست من حالنا) ؟ جورج قرداحي لا يعني شيئاً ان استقال أو بقي على كرسيه الخشبي. الأزمة شغّالة، وحكامنا... «شاهد ما شافش حاجة»!!

الاسباب تقنية

لاسباب تقنية سقط في مقال الزميل نبيه البرجي امس، تحت عنوان «خلاصنا المستحيل في الشرق الاوسط، المقطع الاخير من مقاله، حيث اورد عينات مما يُكتب ويُقال في الصحف وعلى الشاشات وهذا نصه:

] ادخلوا، ثانية، الى شخصية ابراهيم رئيسي، ودون الحاجة الى اشعة ما تحت الحمراء لسوف ترون القنبلة النووية بين اسنانه. اي شرق اوسط انذاك؟ مثلكم، اعلن ضياعي بين كوميديا الضفادع وكوميديا الافاعي. لكنني ان اقفلت اصابعي بالشمع الاحمر اقفل ما تبقى من حياتي، وهو القليل القليل... 

الأكثر قراءة

«الكمائن المتبادلة» بين عون وبري أجلت مجلس الوزراء و«التسوية» الى ما بعد الأعياد ماكرون وبن سلمان لميقاتي: الانتخابات أولاً...الملفات المالية والتعيينات والغاز الى العهد الجديد اضراب النقل العام سيقفل مداخل العاصمة والشلل يطال كل المؤسسات والوزارات