اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تفرض هذه المقدّمة مطرحها بعدما قعد الإعلامي الصديق جورج قرداحي وزيراً فوق قمّم من التلال المكدّسة بالأزمات الكبرى المتناسلة التي لم تكن بعدُ في خاطر لبنان واللبنانيين البائسين وانتظاراتهم. بدا الرجل مصرّاً ولنقل مكابراً على «القردحة التي لا مكان لها في الأزمنة الخطيرة،»، على غير عادته، حتّى ولو جاءت من قبيل التماهي بمن اقترحه، أعني زعيم تيّار المردة سليمان فرنجيّة الذي تمشي كرامته أمامه عربيّة حرّة لا إفرنجية على الإطلاق، والمعروف عنه بأنّه صيّاد ماهر لا يُخطيء الهدف «لا على الطاير ولا عل المهدّي»، ومشهود لمن عرفوه ارتياحه لغبطة «القردحة» الناعمة والطيّبة في مشغلٍ له خاص في زاوية من زوايا قصره الشمالي، لطالما يلج إليه بأوقات فراغه أو ضجره السياسي وهرباً من الملمّات. ولعمري، إنّ ما يحصل منذ أسبوعين بين لبنان وأشقّائنا وأولادنا الكثر في الخليج، لم ولن يُضِف، في تقديري، حبّة خردلٍ واحدة للبنان أو للبنانيين الذين يكدّون ويرتابون ويتشابكون ضائعين هنا وهناك. وهو لن يُضف لأيّ حزب أو مجموعة أو طائفةٍ في لبنان ولا حتّى «القرداحة» الأسدية وسوريا شيئاً ولا حتّى لإيران الدولة الإقليمية القادمة. لا تُضيف تلك الأحوال، رضىً لجائع أو مقهورٍ في لبنان، ولن تُعبّد متراً في طريق حكومة ممقوتة مربكة ومشلولة في وطنٍ مفكّك وشعوبه...، والقراداحي جورج فيها، وهي لم تجتمع حول طاولة مفيدة بعد... والصورة قاتمة وتُخيف الجميع!

الحل: ليس لكم سوى أن تخرجوا من براريكم وتتوجهوا لتشربوا من عين التينة...حيث ينتظركم نبيهاً حارس الدبلوماسية الخضراء...

هو الإعلام والظهور والإرتجال، يدفعنا جميعاً وزراء ومسؤولين واعلاميين ومفكرين وكتّاباً وأفراد إلى التراشق بدلا من نِعَم الصمت والتفكير والعمل الجاد الرصين والتواضع، لا التنافس والسباق كيداً نحو أضواء الشاشات وساحات بقايا وطنٍ يتفتّت خبزه بشعوبه المُتعبة في العتمة؟

تكفينا القردحات والتحديات الداخلية التي عمّت الأرجاء فوق تبن الكلام السياسي وإلاّ اشتعال الحرائق في الأرجاء؟

تكفينا حوادث الإنتحار والإغتصاب والسطو والسرقات والقتل وحوادث السير وكلّها من ثوابت الجنون اليومي من حولنا. ما أن بلغ سعر صفيحة البنزين نصف الحدّ الأدني للأجور، حتّى فرغت الساحات والشوارع من طوابير السيّارات التي تطير بـ»أفخمهم» ولا تسير لتسحق المارّة حيث لا أطباء ولا مستشفيات وتأمينات ولا أدوات وأدوية.

تكفينا متابعة الإذاعات في العتمة، بالرغم من أسعار البطّاريات الفاحش، نتسقّط عبرها الأخبار التي تهزّ الأبدان لا الآذان وحسب، وتُمسك بأحلامهم بحثاً عن المغادرة إلى الأمكنة كلّها خارج لبنان؟

يمكن لمن يمتهن الحبر مثلي أن يلتقط تدفقات كلام الناس في أزمنة ملتهبة لا تشبه أيّ زمنٍ مضى غمرته الحروب، ليبني مقالاً عنوان موسوعةً المآسي فيعاين تفاهة الحبر يقود حتماً الى الصمت والجمود الأكثر تعبيراً من الكلام. الموت حق وهو في كل زاوية وبيت ولن يدركه سوى واهب الحياة. إنّه السامي فوق فكر الطغيان العاجزين عن نسمةٍ في تلك البقعة المسماة لبنان! إنّ الطاقة على تحمّل الواقع هنا تجاوزت كل تصور وتفكير.

ليس كلّ ما يحصل أمامنا من حوادث لا تّحصى هي بيد القضاء والقدر بقدر ما هي بأيدي مجموعات فرّخت تواريخ من القتال فالإهمال والتخلّف والتخليّ والفساد! أيرفع الحبر دعوى في وجه الدولة التي على الرغم من أنها تبدو مجهولة الإقامة اليوم، وليست خصماً شريفاً، لكنّها غائبةً كليّاً جمهورية سادية في حقولٍ شعبية مازوشية تفتك بأبنائها. الإدّعاءات على الدولة الميتة لا قيمة لها لأنك تدخل مدّعياً وستخرج موقوفاً أو سجيناً أو ميتاً مكانها. لا أعرف بلداً في الدنيا يسمح بهذا الفلتان الذي وصل الى أسفل الدركات وعلى مختلف المستويات المعيشية.

أين القضاء يتناول هذه الدولة بأذنيها كما إيطاليا ويسوقها الى السجن؟

أين القضاء إن لم يكن هو البت في الدعاوى والبت جيداً والبت في الوقت المعقول؟ وأين القانون إن كان معظم المدّعين يورّثون الدعاوى لأولادهم وأحفادهم بسبب بطء البت بها؟ وما قيمة القوانين إن لم تكن لباس الـدولة؟ وأين هي دولة المؤسسات والقوانين خارج أطر القوانين المستوردة الجامدة والممزقة والممدودة ويد السياسيين تعبث بعنق الوطن والمواطنين؟

أليس الإستقرار القضائي مولّدا للإستقرار الأمني في بلد قزّم الديمقراطيات فلا يتطلع سوى الى أوهام المستقبل المدمّر في تصوّرات الأجيال؟

تكاد تصل مجلدات القوانين اللبنانية المستوردة بالقياس الى تجاوز ارتفاعات جبال لبنان، فكيف سيتمكن 500 قاض يعملون يومين في الأسبوع لتسعة أشهر،ويقـــضون معظم أوقــاتهم بسترات النوم وخلف طاولات الطعام في بيوتهم للنظر في الدعاوى، وعندما تبدأ المحاكم عند منتصف النهار، يكون معــظمهم في مكاتبهم المُقفلة يتلقون الإتصالات التي تفوق التصور من معظم الطائفيين والسياسيين الذين يلعبون بدولة القردحة بلا سلطات. وإذا كانت القردحة هي إصلاح الأسلحة وتنظيفها فإنّها إنذار شرارات الحرائق والحروب.

الأكثر قراءة

مصدر كنسي لـ «الديار»: الفاتيكان يتوسّط لدى واشنطن وباريس لحل أزمة الرئاسة «الثنائي» يفشل بفتح دروب «البياضة» و«معراب» و«المختارة» في اتجاه «بنشعي»... «القوات»: لا نساوم أكثر من مليار دولار ستدخل لبنان مع توافد المغتربين لتمضية عيدَيِ الميلاد ورأس السنة المسيحية