وكأن اللبناني لا تكفيه مصائب الحياة، حتى جاءته مصيبة جديدة زادت قهره وعذابه في بلد يشهد أزمة اقتصادية واجتماعية حادة.

فمنذ أسبوع، ويشهد لبنان سلسلة حرائق متنقلة من الجنوب إلى الشمال، مروراً بجبل لبنان والبقاع، ما أدى إلى أضرار فادحة في البساتين والمناطق الحرجية المليئة بالأشجار المعمرة والمثمرة.

وبحسب أول تقرير لوزارة البيئة، فإن المناطق اللبنانية شهدت في عطلة نهاية الأسبوع 93 حريقاً من بينهم 35 حريق غابات.

وكان الصيف الفائت قد شهد حرائقاً ملتهبة شمالاً، خصوصاً في عكار والقبيات، حيث التهمت النيران مساحات خضراء شاسعة، قضت فيها على "الأخضر واليابس".

وفي كل مرة، تنجح قوى الإطفاء من جيش ودفاع مدني وبلديات وأصحاب صهاريج ومواطنين، في السيطرة على الحرائق، دون تحديد على من تقع المسؤولية، أو سبب اندلاع هذا الحريق، أو ذاك، في غياب تام لأي مساءلة أو محاسبين.

يتحدث اللبنانيون بشكل دائم، وفي كل موسم، عن أن معظم الحرائق هي مفتعلة، للاستفادة من "الحطب" واستغلالها لبيعها، وهذا الموسم يبدو أن هذه القصة باتت واقعية أكثر ومنطقية، خصوصاً بعد ارتفاع سعر مازوت التدفئة إلى درجة خيالية لم يتصورها أحد من قبل، حتى نجحت هذه المادة في كسب السباق مع البنزين لأول مرة منذ البدء باعتماد جدول اسعار أسبوعي للمحروقات من قبل وزارة الطاقة.

ويبلغ سعر صفيحة المازوت حالياً 311 ألف ليرة، مقابل 310.8 للبنزين، وهذا يعني أن كلفة التدفئة على المازوت باتت من المستحيلات عند المواطنين العاديين، ومن الكماليات لدى المقتدرين.

لذلك، فإن اللجوء إلى مصادر أخرى للتدفئة، بات حتمياً، والأقرب إلى ذلك هو "الحطب" الذي يتم جمعه عبر قطع الأشجار، وهو الأمر الممنوع وغير القانوني في لبنان، أو عبر افتعال حرائق، خصوصاً في الأماكن البعيدة غير المراقبة، والقيام بجمع ما يتيسر من قطع الأشجار المحروقة، أو المحطمة بفعل الحريق، وتقطيعها لاستعمالها لاحقاً في التدفئة، أو لممارسة التجارة فيها، على طريقة المثل القائل: "الحاجة أم الاختراع".

وبما أنه ما من دخان بلا نار، وبالتالي لم يندلع الحريق إلا إذا كان للإنسان يد فيه، عن قصد أو عن غير قصد، مثل الإهمال الفاضح برمي المواد الخطرة المعرضة للاشتعال في الأحراج، أو ترك النار حامية بعد الانتهاء من حفلة الشواء.

لكن من يتسبب بحريق، طمعاً بالأخشاب وبالحطب، هو بالطبع مرتكب جرم بيئي، وقد تصل فعلته الى درجة الإجرام الإنساني والجنائي، في حال أدى الحريق إلى سقوط ضحايا أو جرحى.

وفي قانون العقوبات اللبناني، تنص المادة 588 عقوبات على أن "من اضرم النار عمدا في الاحراج والغابات بقصد الاحتطاب عوقب بالسجن مدة لا تقل عن سبع سنوات". وتختلف هذه العقوبة تماماً عن تلك المعتمدة في سوريا، حيث تم اعدام 24 شخصاً بتهمة ضلوعهم في إشعال الحرائق.

مصادر أمنية

وحول هذا الأمر، أكدت مصادر أمنية في قوى الأمن الداخلي لموقع "الديار" أن "الحرائق كافة هي موضع تحقيق عدلي، وفي كل منطقة سيتم اجراء تحقيق على الأرض بوجود خبراء مكلفين لمعرفة أسباب اندلاع النار وكيفية انتشارها، وهل اذا كان الحريق مفتعلاً أم لا، وعلى ضوء التحقيق سيتم اتخاذ الإجراءات المناسبة"، معتبرة أن هذا الأمر "واجب تقوم به قوى الأمن".

وعن الإجراءات التي تتخذها قوى الأمن الداخلي للتوعية من الحرائق، أشارت المصادر إلى أن "هناك عملية توعية إعلامية تقوم بها قوى الأمن الداخلي سنوياً بمساعدة الدفاع المدني اللبناني، وبالتعاون مع البلديات لمنع الإهمال"، مضيفة أن "لوزارة الزراعة دور كبير ومهم مع البلديات والمؤسسات لمنع الإهمال ووضع شبكة أمان لحماية الأحراج من الحرائق".

الدفاع المدني

في لبنان، نادراً ما سمعنا أنه تم الكشف عن شخص افتعل حريقاً في منطقة ما. وفي هذا الإطار، كان قد أعلن المدير العام للدفاع المدني العميد ريمون خطار أن بعض الحرائق المندلعة أخيراً، هي مفتعلة. ولمعرفة حقيقة الأمر اتصل موقع "الديار" بمديرية الدفاع المدني، ليفيدنا رئيس مكتب الإعلام في المديرية ايلي خيرالله بأن "العميد خطار استعمل هذا التعبير بالمعنى المجازي، بينما واقعياً ليس هناك معلومات محددة ولا معطيات، والجهات القضائية هي التي يجب عليها ملاحقة الموضوع، وتبيان الحقيقة عما اذا كانت الحرائق مفتعلة أم لا. وهذا الأمر يتطلب وقتاً، لأنه يتوجب اللجوء إلى خبير للكشف على الأرض المحترقة، ووضع تقريره الذي يؤكد، أو ينفي حصول عملية افتعال".

وكانت المديرية العامة للدفاع المدني قد أعلنت اليوم في البيان عن مواصلة عناصر الدفاع المدني معززّين بالآليات من عدة مراكز من مختلف المناطق اللبنانية بمساندة طوافات تابعة للقوات الجوية ومؤازرة وحدات من الجيش المنتشرة عملانياً تنفيذ عمليات إخماد الحريق الذي شبّ في أحراج بيت مري (المتن الشمالي) (عدد1).

كما تمكن عناصر الدفاع المدني، خلال الـ96 ساعة الماضية، بمساندة طوافات تابعة للقوات الجوية ومؤازرة وحدات من الجيش المنتشرة عملانياً من إخماد حرائق شبّت في أحراج كل من : شحور، دير قانون النهر، قدموس، العباسية، دير كيفا، العزية، زبقين، القليلة، المنصوري، مجدلزون، الحنية في قضاء صور (عدد11) وعانوت والزعرورية في قضاء الشوف (عدد2) وبمؤازرة عناصر من الجيش المنتشرة عملانياً في بحويتا (عكار) (عدد1) وعربة قزحيا (زغرتا) (عدد1).

إلى ذلك تمكن العناصر من تنفيذ مهمّات إنقاذ وإسعاف وإهماد حرائق على الأراضي اللبنانية، وقد بلغ عدد إهماد الحرائق 348.

أبي راشد

من جهته، أشار الخبير البيئي بول أبي راشد في حديث خاص لموقع "الديار" إلى أن "كوكب الأرض عامة، ولبنان خاصة، يشهدان حرباً مناخية"، مضيفاً أنه "منذ سنة 2007 ازدادت الحرائق بشكل سنوي، حتى أصبحت كارثية منذ العام 2019، وقد دخلنا في التغيير المناخي من دون أي تدابير احترازية من جميع المسؤولين".

وقال أبي راشد: "في الماضي لم تكن الحرائق تطيح بالجبل كله، على عكس ما يحصل حالياً. وهناك تحذير من جامعة البلمند ومصادر أخرى من خطر شديد لاندلاع حرائق".

وعن الحرائق، أشار أبي راشد إلى أن "من لا يملك القدرة على تنظيف بستانه من الأعشاب يلجأ إلى إشعالها، وهنا الخطر الكبير في حال لم يتمكن من السيطرة على الحريق. وهنا لا يجب رمي المسؤولية على الفقراء، لأنه لم يتم تحذير المواطنين من خطر اندلاع الحرائق وتوسعها بالشكل الذي حصل في ظل هذه الظروف المناخية التي قد تتسبب فيها "سيجارة" في إشعال حريق هائل".

وتابع أبي راشد: "كان يجب التحذير مسبقاً ووضع البلد في حالة طوارئ، وتوظيف حراس الأحراج وتأمين التجهيزات للدفاع المدني وقوى الإطفاء كافة".

وأضاف: "في جمعيتنا وزعنا مجاناً "مخابيط" (رفش يخفق النار) صنعناها في لبنان على نحو 35 بلدية، و10 جمعيات غير حكومية و5 محميات، علماً أن ثمن الواحد منها 120 دولاراً أميركياً، فما الذي يمنع الدولة عن تجهيز الدفاع المدني عبر الاستعانة بالجهات الدولة الممولة، هذا لأنهم يفكرون بالصفقات والسمسرات على حساب المواطن".

وعن الخسائر، أوضح أبي راشد أن "كل الحرائق في لبنان لم تكن تتعدى الألف هكتار، إلا أن حريق عكار في الصيف الماضي أتى على نحو 2700 هكتار من الأحراج والأراضي، وفي العام 2020 وصلنا الى 7 آلاف هكتار. أما مساحة الحرائق التي اندلعت أخيراً بين الجنوب والبقاع والشمال فهي بحاجة إلى اختصاصيين لمسحها، وأنا أقدر أننا تجاوزنا أيضاً فيها الـ 7 آلاف هكتار، وهذا وضع لم نشهده في تاريخنا".

وقال: "منذ العام 2019 بدأنا نرى الحرائق في تشرين الأول، بعدما كانت تسجل في الصيف فقط، وهذا الموسم يبدو أن الحرائق تمددت إلى تشرين الثاني، وهذا يعني أننا في وضع مخيف إذا لم يتم وضع خطة طوارئ".

وعن كيفية تعويض الأرض المحروقة، أكد أبي راشد أن "الغابة هي أم كل شيىء، هي الأوكسيجين والتربة، والغابة بحاجة إلى 400 سنة لكي تصنع سنتيمتراً واحداً من التربة. إذا ذهبت الغابة ذهبت معها التربة والحيوانات والنحل، وستحل مكانها الصحراء".

خسائر لا تعوض

بالمحصلة، لبنان خسر مساحات حرجية خضراء هائلة، قد لا تعوض أبداً، فيما المحاسبة غائبة دائماً وأبداً، والمسؤولون في واد والناس في واد آخر، فيما المطلوب: توعية الناس على مخاطر الحرائق، ودعم قوى الإطفاء كافة بالتجهيزات والطائرات، وإنشاء برك مائية في جميع المناطق لاستعمال مياهها عند الحاجة.

ويبقى الأمل نحو الأفضل هو ميزة اللبناني الصامد الذي يعشق الحياة، رغم كل الأزمات.

الأكثر قراءة

باسيل للديار : لن نبقى ساكتين امام التعطيل...فلتجتمع الحكومة او «ما تكفي» وانصح ميقاتي بالدعوة لجلسة والمعترضين بالحضور السعودية تريد مواجهة حزب الله واذا ما فهم فرنجية انها لن تشتري من احد شيئا بلبنان فمشكلة !