بدأت بعض التحالفات الإنتخابية تظهر للعلن، رغم عدم التأكّد بعد إذا ما كانت الإنتخابات النيابية ستجري في موعدها أو بعده، أم لا. وقد فاجأت هذه الأخيرة البعض، لا سيما بعد إعلان رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط أنّه سيتحالف مع حزب «القوّات اللبنانية» في دائرة الشوف وعاليه. في الوقت الذي كانت كلّ الأجواء تشير الى إمكانية تحالف جنبلاط مع «التيّار الوطني الحرّ» في هذه الدائرة، لا سيما بعد مفاوضات جدّية استمرّت بين الطرفين خلال الأشهر الماضية، إلّا أنّها وصلت الى طريق مسدود، ما جعل جنبلاط يُعلن تحالفه هذا مع «القوّات» باكراً.

وتقول مصادر سياسية عليمة، بأنّ هذا التحالف الذي أعلن عنه جنبلاط، في ظلّ عدم وجود رؤية واضحة لما ستكون عليه التحالفات الإنتخابية ككلّ حتى الآن، إنّما هَدَف الى إضعاف «التيّار» الذي يعلم أنّ القانون الإنتخابي رقم 44 المعدّل، والذي سيطعن به أمام المجلس الدستوري خلال هذا الأسبوع، لن يصبّ لصالحه في هذه الدورة الإنتخابية، لا سيما بعد انسحاب نوّاب عدّة من تكتّل «لبنان القوي»، وتقديم استقالتهم من المجلس النيابي. علماً بانّه استطاع في العام 2018، من ربح 8 مقاعد نيابية، أُضيفت الى المقاعد الـ 21 التي كان يمكلها في مجلس النوّاب، ما جعل من كتلته التي ضمّت 29 نائباً، أكبر كتلة نيابية. فيما ربح الحزب التقدّمي الإشتراكي مقعدين في الإنتخابات الماضية، فكانت كتلته مؤلّفة من 7 نوّاب فأصبحوا 9 نوّاب. واليوم بتحالف جنبلاط مع «القوّات»، سيقسم صوت الثنائي الشيعي بينه وبين «التيّار» وقوى 8 آذار، ما قد يُخسّر «التيّار» في هذه الدائرة على الأقلّ. علماً بأنّ رئيس حزب «التوحيد» الوزير السابق وئام وهّاب سيترشّح عن المقعد الدرزي الثاني في الشوف، الى جانب رئيس «اللقاء الديموقراطي اللبناني» المير طلال إرسلان (تكتّل «ضمانة الجبل»). ويبدو أن ثمّة حاصلا لكلّ طرف في الجبل الذي يضمّ مختلف الطوائف والأحزاب السياسية.

وتجد المصادر بأنّ القوى السياسية المتحالفة، تبدو مفكّكة اليوم، بما فيها ما يُسمّى بالقوى التغييرية أي مجموعات المعارضة والمجتمع المدني المدعومة من دول الخارج، والتي قد تُنفّذ أجنداتها أيضاً، وليس متطلّبات الشعب اللبناني. فليس لأي منها جبهة متماسكة، وبرنامج إنتخابي محدّد، وإدارة قويّة، وهذا ما يجعل الشعب ينتظر رؤية شيء ملموس قبل موعد الإنتخابات، لكي يُقرّر لمن سيُدلي بصوته في صناديق الإقتراع... وتستغرب المصادر كيف أنّ بعض مجموعات المعارضة التي أنتجتها انتفاضة 17 تشرين الأول من العام 2019، وتريد أخذ القرار بيدها، تعمل اليوم مع بعض القوى السياسية، لا سيما منها تلك التي استقالت من المجلس النيابي، وتودّ إقناع الشعب اللبناني بأنّها «مستقلّة» وتقف الى جانبه «في السرّاء والضرّاء»، كونها لم تكن هي المسؤولة عمّا وصل اليه البلد من انهيار على مختلف المستويات والقطاعات.

في الوقت نفسه، أشارت المصادر الى أنّ بعض النوّاب الذين هم من أساس الطبقة السياسية التي حكمت لبنان على مدار الثلاثين سنة الماضية، يقومون اليوم بترشيح أبنائهم الشباب بدلاً عنهم للإنتخابات المقبلة، على أساس أنّهم من «القوى التغييرية». وتتساءل المصادر: كيف يُمكن أن تخرج بالتالي أحزاب شاركت في السلطة طوال العقود الماضية، كما في الحرب التي سُميت «أهلية»، لتُعلن اليوم للشعب اللبناني بأنّها «مجتمع مدني» طمعاً بالحصول على المزيد من أصوات الناخبين؟!.

غير أنّ بعض هذه «الحيل» الإنتخابية، لم تعد تنطلي على الشعب، على ما عقّبت المصادر عينها، فالمزاج الشعبي تغيّر بعد انتفاضة 17 تشرين، وقد لمس المواطن بيده كيف تخلّت عنه السلطة السياسية والأحزاب عندما انهار الوضع الإقتصادي والعملة الوطنية، ما أدّى الى تخبّطه وحيداً في مشاكله اليومية. أمّا الحكومة الحالية التي منّى النفس بأنّها ستعمل على إنقاذه من الوضع المزري الذي يعيشه اليوم، فأقحمت الخلافات السياسية بمهامها الإنقاذية، ما أوصل الى تعليق جلساتها الوزارية.

أمّا كتلة «المستقبل» التي كانت تضمّ 33 مقعداً نيابياً قبل الدورة الماضية، فقد خسرت في العام 2018، على ما أضافت المصادر 12 مقعداً، حازت عليها الأحزاب الأخرى في دوائر عدّة، ما جعل الكتلة تُسجّل 21 مقعداً فقط. ويجد هذا التيّار الأزرق اليوم نفسه في وضع حرج، بعد أن تخلّى عن حلفائه السابقين، ولا سيما «القوّات اللبنانية». ويخشى من نقصان عدد مقاعده أكثر في الإنتخابات النيابية المقبلة، إذا ما بقيت قوى 14 آذار متفرّقة وتسعى كلّ منها لزيادة عدد مقاعدها. فيما استطاع الثنائي الشيعي تسجيل زيادة في عدد مقاعده في الإنتخابات الماضية، فـ «حركة أمل» كسبت 3 مقاعد، وارتفع عدد «كتلة التنمية والتحرير» من 13 الى 16 مقعداً، فيما تمكّن حزب الله من كسب مقعد نيابي واحد فأصبحت كتلته النيابية تضمّ 13 مقعداً بعد أن كانت مؤلّفة من 12 مقعداً. وسيسعى هذا «الثنائي» الى رفع عدد مقاعده لكي تُصبح كتلتاه وازنتين في المجلس النيابي، ولهذا سيتحالف في كلّ دائرة مع الحزب الذي يستطيع أن يخدم حساباته.

وأكّدت المصادر بأنّ التحالفات الإنتخابية تلعب دوراً بارزاً في تحديد أحجام الكتل النيابية، ولا تزال غير واضحة وظاهرة حتى الآن في الدوائر الـ 15 خصوصاً وأنّ حسابات الربح والخسارة لا تزال تعمل الأحزاب عليها. وستتمكّن من حسم خياراتها بعد انتهاء مهلة تسجيل اللبنانيين غير المقيمين لمعرفة على أي عدد نهائي سيرسو تسجيل المغتربين. فضلاً عن انتظار العدد النهائي لناخبي الداخل الذي وصل على لوائح الشطب الى 3 ملايين و746 ألفاً و483، فيما بلغ عدد المقترعين منهم مليوناً و862 ألفاً و103 إستناداً الى محاضر لجان القيد.

وبرأي المصادر، أنّه رغم فكّ تحالفات فريقي 8 و14 آذار، غير أنّه ورغم كلّ شيء، ورغم كلّ ما يُقال خلافاً لذلك، لا يزال هناك إصطفافات شعبية الى جانب هذين الفريقين. ففي فريق 8 آذار لا يزال الثنائي الشيعي يقف الى جانب «تيّار المردة»، ويُبقي على تحالفه مع «التيّار الوطني الحرّ» الذي يُعارض هذا الحزب أو ذاك في بعض الأحيان، ولكن ليس بشكل بارز. وفي فريق 14 آذار، عاد «الإشتراكي» للتحالف مع «القوّات» رغم صعوبة تحالف «المستقبل» معها بعد الخلافات السياسية المتراكمة.

غير أنّ إمكانية تحكّم هذه الأحزاب بأصوات الناخبين قد اختلفت وتغيّرت، رغم ازدياد العوز والحاجة لدى غالبية العائلات اللبنانية بفعل سياسات التفقير والتجويع وما الى ذلك.. فيما يرى البعض بأنّه ما دمنا نعيش في بلد طائفي، فإنّ الناخبين سيدورون في دوّامة هذا الزعيم وذاك، على ما جرت العادة.

وفيما يتعلّق بالكتل النيابية التي جرّبت القانون 44 القائم على أساس النسبية وفق 15 دائرة، وعلى الصوت التفضيلي، على ما أضافت المصادر نفسها، فإنّها تقوم اليوم بحسابات الربح والخسارة في هذه الدوائر لكي تحسم خياراتها وتحالفاتها المقبلة. فمن كان خصماً سياسياً قد يُصبح حليفاً في إحدى الدوائر دون الأخرى.. كما تُعوّل على أصوات اللبنانيين غير المقيمين على الأراضي اللبنانية والمناصرين لها، ما يجعل ماكيناتها الإنتخابية تنشط في دول العالم من أجل تشجيعهم على التسجيل للإقتراع قبل انتهاء مهلة التسجيل الثانية عشرة ليلاً بتوقيت بيروت من منتصف ليل هذا السبت الواقع فيه 20 تشرين الثاني الجاري. علماً بأنّ أعداد هؤلاء تخطّت الـ 160 ألف ناخب، ويتوقّع وصولها الى الـ 225 أو 250 ألفا في حال استمرّت وتيرة التسجيل مرتفعة، إذ سجّلت الايّام الماضية بين 11 و12 ألف مسجّل في اليوم الواحد.  

الأكثر قراءة

هيروشيما ايرانية أم غرنيكا «اسرائيلية»؟