شكّل قرار الأمم المتحدة الصادر يوم الجمعة الفائت، بمطالبة «إسرائيل» بدفع 856.4 مليون دولار للبنان بشكل فوري تعويضاً عن بقعة النفط التي تسبّبت بها «غارة جويّة إسرائيلية» يوم 15 تمّوز 2006، مفاجأة سارّة بالنسبة للبنان الذي يحتاج اليوم الى أي مبلغ مالي إضافي يسانده في ظلّ الأزمة الإقتصادية والمالية والمعيشية الخانقة التي يعيشها. غير أنّ تنفيذ العدو الإسرائيلي لهذا القرار الذي صدر عن الأمم المتحدة بأغلبية ساحقة (161 دولة من أعضاء الجمعية العامّة، مقابل اعتراض 8 دول (من بينها «إسرائيل» والولايات المتحدة)، و)امتناع 7 دول عن التصويت)، سيكون موضع جدل، وربما مساومة من قبله، كونه لا ينفّذ عادة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، بل يعترض عليها ويبقيها معلّقة.

فهل يأمل لبنان في الحصول على هذا المبلغ المالي من العدوالإسرائيلي قريباً، سيما أنّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الذي يزور لبنان في 19 من كانون الأول المقبل سيناقش هذا الموضوع من ضمن سلسلة المسائل التي سيطرحها خلال محادثاته مع المسؤولين اللبنانيين، وهو مطالب بتقديم تقرير الى الجمعية العامّة خلال دورتها المقبلة في أيلول 2022 عن تنفيذ هذا القرار، أم سيلجأ «الإسرائيلي» الى المساومة على تنازل لبنان في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية؟!

أوساط ديبلوماسية مطّلعة أكّدت أنّ العدو الإسرائيلي غالباً لا ينفّذ قرارات الأمم المتحدة الصادرة بحقّه، والدلائل على هذا الأمر كثيرة، ولا مجال لذكرها هنا. ولكن في ما يتعلٌّق بلبنان، لم يقم حتى اليوم بالإنسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلّة، ولا سيما من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي من بلدة الغجر، على ما نصّت عليه قرارات عدّة ذات الصلة، وآخرها القرار 1701 الذي كرّر التأكيد على ضرورة التوصّل الى حلّ لقضية مزارع شبعا . فقد نصّت المادة 10 من هذا القرار على أنّه «يطلب من الأمين العام، أن يضع، من خلال الإتصال بالعناصر الفاعلة الدولية والأطراف المعنية مقترحات لتطبيق بنود اتفاق الطائف، والقرارين 1559 (2004)، و1680 (2006) ذات الصلة، بما في ذلك نزع السلاح، وترسيم الحدود الدولية للبنان، لا سيما مناطق الحدود المتنازع عليها أو غير المؤكّدة، بما في ذلك معالجة مسألة منطقة مزارع شبعا، وعرض تلك المقترحات على مجلس الأمن في غضون ثلاثين يوماً». إلّا أنّ هذا الأمر لم يحصل منذ صدور هذا القرار في 11 آب العام 2006، وحتى الآن، أي منذ 15 عاماً.

وهذا الأمر يجعلنا متأكّدين، تضيف الاوساط، من أنّ العدو الإسرائيلي لن يدفع التعويض المالي للبنان، ولكن بما أنّ المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية جارية حاليّاً بين لبنان وبينه بوساطة أميركية، وإن كانت هذه الأخيرة معلّقة منذ أيار الماضي، وتفتح الباب أمام ترسيم الحدود البحرية، وربّما البرّية لاحقاً، فإنّ «الإسرائيلي» قد يُساوم في هذا الأمر. فقد يقترح على غويتريس ربّما، خلال زيارته للبنان والمنطقة في 19 كانون الأول المقبل، أن يقوم بدفع هذا التعويض مقابل أن يعود لبنان الى طاولة المفاوضات غير المباشرة للتوصّل الى اتفاق نهائي على مسألة ترسيم الحدود.

وأشارت الاوساط في الوقت نفسه، الى أنّ المبلغ المالي الذي يُفترض على «الإسرائيلي» دفعه للبنان كتعويض عن بقعة النفط التي تسبّبت بها «غارة إسرائيلية» عليه خلال حرب تمّوز 2006، يقلّ عن مليار دولار، وتحديداً 856.4 مليون دولار، لن يُوافق على دفعه مقابل تنازل لبنان عن جزء من المنطقة البحرية المتنازع عليها، على ما قد يعتقد البعض. فمخزون النفط والغاز الذي يملكه لبنان في المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة له يبلغ مليارات الدولارات، ولهذا فإنّ هذا المبلغ قد يُسانده حالياً في تخطّي إحدى أزماته المتراكمة ليس أكثر. غير أنّ «الإسرائيلي» قد يستخدم هذا التعويض، في حال وافق على دفعه، لإظهار «حسن نيّته» تجاه التفاوض غير المباشر مع لبنان لإنهاء موضع الترسيم البحري. علماً بأنّ الغارة حينها أدّت الى تدمير صهاريج تخزين النفط في المنطقة المجاورة مباشرة لـ «محطّة الجيّة» لتوليد الكهرباء في لبنان.

وتقول الأوساط نفسها، بأنّها تتوقّع أن يُناقش غويتريس مع المسؤولين اللبنانيين مسألة التعويض المالي، فضلاً عن عناوين أخرى كترسيم الحدود الدولية، البحرية والبريّة، فضلاً عن أزمة النازحين السوريين، واللاجئين الفلسطينيين الذين يبلغ عددهم نحو مليوني نسمة التي يُطالب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الأمم المتحدة بمساعدة لبنان على حلّها، من خلال إعادتهم الى بلدانهم. فلبنان الذي يُعاني من أزمة إقتصادية غير مسبوقة، لم يعد بمقدوره إستضافة وإعالة هؤلاء النازحين واللاجئين الذين يحتاجون الى متطلّبات واحتياجات يومية ومعيشية تُقدّر بنصف اجتياجات الشعب اللبناني ككلّ.

وتأمل الاوساط أن يحمل غويتريس إجابة عن طلب رئيس الجمهورية ميشال عون، فيما يتعلّق بإعادة النازحين السوريين الى بلادهم بالدرجة الأولى، والذين يتخطّى عددهم المليون و500 ألف نازح، لا سيما بعد عودة الإستقرار اليها، على أن يتمّ لاحقاً إيجاد حلّ ما لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين التي أقفل العدو الإسرائيلي الباب عليها من خلال سيطرته على الأراضي المحتلّة تبعاً لـ «صفقة القرن»، ونزع بالتالي حقّ العودة من الفلسطينيين، اللاجئين في دول عدّة في العالم والذين يرغبون بالعودة الى ديارهم، والى حصولهم على التعويضات من العدو.

كذلك فإنّ الإنفتاح الغربي والعربي على سوريا، على ما أضافت الأوساط عينها، وإمكانية التطبيع معها وإعادتها الى جامعة الدول العربية خلال القمّة العربية الواحد والثلاثين التي ستُعقد في آذار من العام المقبل في الجزائر، بعد أن جرى تأجيلها منذ العام 2020 بسبب جائحة «كورونا» من شأنه أن يفتح باب العودة واسعاً أمام النازحين السوريين من أكثر من 40 دولة في العالم، وعلى رأسها لبنان.

الأكثر قراءة

تشكيك بقدرة لبنان التزام الشروط السعودية و«ازدواجية» فرنسيّة حيال حزب الله! «التهميش» الفرنسي للرئاسة يُزعج عون: قرار سعودي بتحييده حتى نهاية العهد ميقاتي يتهم «الشركاء» بالخيانة: سقوط «الكابيتال كونترول» رضوخ «للشعبوية»؟