اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تخلّى وزير الإعلام جورج قرداحي عن منصبه الوزاري بعد العاصفة التي أثارتها السعودية ومعها دول الخليج، إثر تصريحات له عن «الحرب العبثية» في اليمن قبل تسلّمه هذا المنصب، لأنّ «لبنان أهمّ منّي»، على ما قال في مؤتمره الصحافي أمس، ومن أجل إعطاء فرصة واعدة ومتاحة لإنجاح زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الى كلّ من الإمارات وقطر والسعودية، حيث سيبحث معها مواضيع عدّة من ضمنها أزمات الشرق الأوسط.

وعلّل قرداحي تخلّيه عن منصبه عن أنّه لا يُبدّي مصلحته الشخصية على مصلحة لبنان ومصالح اللبنانيين في دول الخليج، وعن أنّه لا يقبل في أن يُستخدم سبباً لأذيّة لبنان، وعن أنّ رفضه الأوّلي للإستقالة جاء من باب الحفاظ على الكرامة والسيادة والإستقلال. فهل سيفتح تنحّي قرداحي الباب أمام نزع فتيل الأزمة الديبلوماسية المستجدّة مع السعودية والإمارات والكويت والبحرين، وبالتالي إنهائها وعودة العلاقات بين لبنان ودول الخليج الى طبيعتها؟ أم أنّ المقاطعة الخليجية ستبقى مستمرّة رغم استجابة قرداحي لطلب ماكرون الداعم الأول لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي؟!

مصادر سياسية عليمة رأت في الموقف الذي صدر عن قرداحي موقفاً وطنياً بامتياز، هو الذي أراد من خلال رفضه للإستقالة منذ نشوب الأزمة من قبل السعودية أن يُحافظ على كرامة لبنان كبلد سيّد، حرّ ومستقلّ، يتخذ قراراته الداخلية بنفسه من دون أي تدخّل لأي دولة خارجية في شؤونه. ولكن مع «تعطيل» بعض أعمال الدولة واللبنانيين مع السعودية ودول الخليج إثر تصريحاته، التي لم يقصد فيها سوى المحبّة وإنهاء الحرب في اليمن، على ما أوضح في مؤتمره، وجد أنّ من واجبه التخلّي عن منصبه الوزاري لكي لا يبقى «عقبة» أمام حلّ الأزمة المستجدّة، وعودة العلاقات بين لبنان ودول الخليج الى طبيعتها.

كذلك، فإنّ قرار قرداحي جاء تلبية لطلب ماكرون من ميقاتي أن يتمّ تسوية قضيته مع السعودية تزامناً مع جولته الرسمية على الدول الخليجية. فهذا الأمر يؤثّر على إنجاح زيارته هذه، على ما أوضحت المصادر، إذ يُظهر أنّ الرئيس الفرنسي الذي سارع دون سواه لزيارة لبنان بعد انفجار 4 آب 2020 لتقديم الدعم الإنساني والمعنوي له واللبنانيين، «يمون» على ميقاتي كونه دعم وصوله الى رئاسة الحكومة، رغم معارضة الولايات المتحدة والسعودية له، ولولادة الحكومة أيضاً، رغم بقاء حكومة حسّان دياب مستقيلة لنحو 13 شهراً من دون أي إنتاج فعلي. والدليل على رفض السعودية لميقاتي هو عدم إعطائه موعداً لزيارتها حتى الآن، رغم دفاعه المستمرّ عنها كدولة حاضنة للطائفة السنيّة في العالم العربي.

وخطوة قرداحي، المقدّرة من قبل جميع اللبنانيين، حتى من قبل أولئك الذين طلبوا منه عدم تقديم استقالته، على ما أضافت المصادر نفسها، تُساهم في حلحلة الوضع بين لبنان والسعودية وبعض دول الخليج، غير أنّها لن تُنهيها بالمطلق. فالعقدة لدى السعودية ليست قرداحي، إنّما مشاركة حزب الله في الحياة السياسية، وهو أمر أعلنه وزير الخارجية السعودية مرّات عدّة بعد الأزمة المستجدّة. والجميع يعلم بأنّ المشاكل مع السعودية متراكمة منذ سنوات، وتعود الى يوم أوقفت هبة المليار ونصف المليار دولار الشهيرة، التي كانت وعدت لبنان بها، وأحالتها بعد ذلك لتعزيز قدرات جيشها. ومن ثمّ تواصلت مع احتجازها لرئيس الحكومة سعد الحريري وإرغامه على تقديم استقالته من الرياض (في 4/ 11/ 2017)، ومن ثمّ تدخّل ماكرون بناء على طلب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وإعادته الى لبنان سالماً والتريّث في تقديم استقالته. ووصل بها الأمر الى وضع «الفيتو الدائم» على وصول الحريري مجدّداً الى رئاسة الحكومة، وتفتيشها عن حليف آخر لها، ورفضها بالتالي لتأييد تكليف ميقاتي بتشكيل الحكومة الحالية.

وبرأي المصادر، أنّ قرار قرداحي لا بدّ وأن يؤدّي بشكل مبدئي الى نزع فتيل الأزمة مع السعودية ودول الخليج، وعدم التصعيد الخليجي تجاه لبنان ومصالح اللبنانيين. أمّا في حال استمرار المقاطعة الخليجية على حالها، فإنّ قرداحي يكون قد ذهب «كبش محرقة» لأزمة لم يكن هو سببها، وهذا لن يقبل به ميقاتي الذي قدّم لماكرون ما طالبه به، مقابل إعادة العلاقات بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي الى سابق عهدها.

وأشارت المصادر عينها الى أنّ الوضع الداخلي كان بحاجة الى خطوة من هذا القبيل من أجل إحلال التهدئة على الساحة اللبنانية، ومن أجل استقرار الوضع فيه، لا سيما خلال شهر الأعياد الذي يمرّ صعباً جدّاً على غالبية اللبنانيين، نظراً لانهيار قدرتهم الشرائية لكلّ ما يحتاجونه من غذاء وملابس وهدايا وأدوية واستشفاء وتعليموما الى ذلك، غير أنّ الإستقرار الأمني يبقى العنصر الأول لكي يمرّ على خير وسلامة.

وكشفت المصادر بأنّ تسوية داخلية حصلت بين ميقاتي والثنائي الشيعي على تقديم قرداحي لاستقالته مقابل تنحية القاضي طارق بيطار عن التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، خصوصاً وأنّ «تعطيل» الجلسات الحكومية حصل إثر احداث الطيّونة التي جاءت بسبب قضية بيطار، وليس بسبب تصريحات قرداحي. ومن شأن هذه التسوية، على ما عقّبت المصادر، إعادة الوزراء الشيعة الى اجتماعات الحكومة، والى دعوة ميقاتي الى انعقاد مجلس الوزراء في الأسبوع المقبل.

وقالت المصادر بأنّ زيارة ميقاتي الى الفاتيكان ولقاء البابا فرنسيس، فضلاً عن زيارة ماكرون الى دول الخليج، تعطيان دفعاً إيجابياً للعودة الى المسار الصحيح للحكومة، والى تنفيذ المبادرة الفرنسية القائمة على الإنقاذ وتحقيق الإصلاحات المطلوبة، كما الى وصل ما انقطع من علاقات بين لبنان ودول الخليج، على أمل أن تعود تدريجاً الى طبيعتها لطمأنة اللبنانيين المقيمين فيها، وبالتالي عائلاتهم في لبنان التي باتت تعتمد على المساعدات المالية الشهرية من أبنائها المغتربين.

الأكثر قراءة

بهاء الحريري في قصر قريطم