اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم يكد لبنان يخرج من التصعيد السعودي والخليجي تجاهه، بعد استقالة وزير الإعلام جورج قرداحي من منصبه التي شكّلت مفتاح حلّ الأزمة المستجدّة، وتزامنت مع وساطة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة التي تبلورت من خلال الإتصال الثلاثي الذي جمعه وولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وكان الهدف من هذا الإتصال وقف التصعيد والتهدئة وحلّ الأمور بالحوار للتوصّل الى وقف مسألة قطع العلاقات الديبلوماسية والعودة عن المقاطعة التجارية بين لبنان والسعودية ودول الخليج، حتى جاءه التصعيد هذه المرّة من البحرين...

والخطير في الأمر أنّ البحرين لم تكتفِ بالإحتجاج فقط لدى حكومة لبنان بسبب استضافة بيروت مؤتمراً صحافياً لعناصر معادية لها ومصنّفة بدعم ورعاية الإرهاب، على ما وصفها وزير خارجيتها عبد اللطيف الزيّاني، بل أرسلت مذكرة إحتجاج رسمية إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بهذا الخصوص، تتضمّن استنكارها لهذه الخطوة «غير الوديّة من الجانب اللبناني». فهل سيحول هذا التصعيد الجديد دون عودة العلاقات الديبلوماسية بين لبنان ودول الخليج الى طبيعتها في المستقبل القريب، لا بل الى المزيد من التأزّم والتشنّج؟!

أوساط ديبلوماسية مطّلعة أكّدت أنّ دول الخليج أي السعودية والإمارات والبحرين والكويت واليمن، لا يبدو أنّها بوارد تهدئة الأجواء مع لبنان، فهي تودّ محاسبته ككلّ، على ما سبق وأن أعلنه إعلامي قبل تولّيه منصب وزير الإعلام في الحكومة الجديدة، أو على ما ورد في مؤتمر صحافي لجمعية محظورة أساساً في لبنان منذ العام 2016، ومن الواضح أنّها عقدته تحت مسمّى آخر من دون أن يعلم أحد أنّها ستُسيء خلاله لمملكة البحرين.

واعتبرت الاوساط أنّ البحرين تسرّعت في إرسال مذكرة الإحتجاج لجامعة الدول العربية قبل أن تستفسر من الحكومة اللبنانية عمّا جرى، علماً بأنّ ميقاتي سرعان ما سارع الى إدانة هذه «الإساءة»، وطلب فتح تحقيق فوري بشأن المؤتمر الذي عقدته جمعية «الوفاق» البحرينية «المحظورة» في أحد فنادق بيروت الخميس الماضي، وحمل انتقادات للمنامة بشأن ملفّها الحقوقي، على ما أفادت تقارير إخبارية خليجية، طالباً منع تكرار ما حصل، كما تابعت وزارة الخارجية والمغتربين باهتمام شديد التحقيقات العاجلة التي بدأتها السلطات اللبنانية لاتخاذ التدابير المناسبة حول استضافة بيروت للمؤتمر المذكور.

هذا وشدّد لبنان الرسمي، على ما أضافت الأوساط نفسها، على شجب وإدانة التطاول على مملكة البحرين، قيادة وشعباً، وعلى رفض التدخّل في شؤونها الداخلية، والإساءة إليها بأي شكل من الأشكال، كما أبدى حرصه على العلاقات التاريخية الوطيدة بين البلدين، وعلى رفضه استخدام لبنان منطلقاً للإساءة إلى البحرين والتطاول عليها، مثلما يرفض الإساءة إلى الدول العربية الشقيقة، ولا سيما منها دول مجلس التعاون الخليجي. غير أنّ البحرين أكملت تصعيدها، ما يعني بأنّ مبادرة ماكرون الأخيرة التي هدفت الى تصويب مسار العلاقات بين لبنان ودول الخليج لم تسلك طريقها الصحيح نحو الحلّ.

وأوضحت الاوساط بأنّ ما جرى هو تصرّف خاطىء لا بدّ وأن يُحاسب عليه من ارتكبه، عن قصد أو عن غير قصد، لا سيما بعد انتهاء التحقيق بشأن المؤتمر الصحافي والعناصر التي عقدته في بيروت،غير أنّ هذا التصرّف لا يُعبّر لا عن رأي الشريحة الأكبر من الشعب اللبناني ولا عن الموقف اللبناني الرسمي، وهذا ما على دول الخليج أن تُعلّق عليه، وليس على عمل فردي مشبوه.

ورأت الأوساط عينها بأنّ البحرين تحدّثت بلغة السعودية، كون هذه الأخيرة لن تُواصل التصعيد تجاه لبنان علناً بعد أن وعدت ماكرون بالتهدئة، أمّا وزير خارجيتها فقد أعلن أنّ بلاده يُمكن أن تُقدّم الدعم للبنان، وهي تعلم ضخامة الأزمة الإقتصادية والمالية التي يعيشها، في محاولة لإيجاد حلول لها، و»لكن بمجرّد أن يُثبت حزب الله أنّه يُمكن أن يُغيّر سلوكه»، بحسب كلام وزير الخارجية السعوي، ما يعني بأنّ المشكلة ليست في مؤتمر صحافي «مسيء» للبحرين، إنّما في نغمة السعودية نفسها المتعلّقة بالحزب وسلوكه.

من هنا، أكّدت الاوساط أنّ الأمور ماضية في التصعيد، ولن تعود الى الوراء بين لبنان ودول الخليج، على الأقلّ في المدى المنظور، سيما وأنّ البحرين لم تتعامل مع لبنان كبلدٍ شقيق، بل أرسلت بياناً شديد اللهجة للحكومة اللبنانية، ولجأت بسرعة الى الإحتجاج لدى الجامعة العربية، على أنّه «يتدخّل في شؤونها الداخلية بما يخالف المواثيق الدولية وميثاق جامعة الدول العربية».. علماً بأنّ هذا الأمر غير صحيح، لأنّ لبنان الرسمي أدان ما حصل وأعاد التأكيد على أطيب العلاقات بينه وبين البحرين، ما يعني بأنّه لم ولن يتبنّاه وهو يُجري تحقيقاً في تفاصيل عقد المؤتمر في بيروت لمعرفة ما حصل.

وبناء عليه، فإنّ تقديم يدّ المساعدة للبنان الذي وعدت به دول الخليج لن يحصل، على ما توقّعت الأوساط عينها، إن قامت الحكومة بالإصلاحات المطلوبة أم لا، لأنّ الأزمة بينها وبين في مكانٍ آخر، ولفتت الى أنّ حرية التعبير القائمة في لبنان، بشكلٍ عام، بسبب التعايش المشترك فيه ووجود 18 طائفة، قد لا تتفهّمها الدول التي غالباً ما تعتمد موقفاً واحداً ونهجاً واحداً. علماً بأنّ أي موقف يصدر عن هذا الفريق أو ذاك لا يُعبّر بالضرورة عن موقف الدولة اللبنانية، لا سيما إذا لم تتبنّاه مجتمعة.

ولفتت الاوساط الى أنّ الكلام عن أنّ «سلوك حزب الله لا يؤثر على لبنان فحسب، بل على دول أخرى، وأنّه تحدّ بالنسبة للبنانيين أن يبحثوا تغيير سياستهم معه ومحاولة إيجاد طرق يمكن بها تنفيذ قراراتهم على أرض الواقع»، هو تدخّل واضح في شؤون لبنان الداخلية، رغم أنّ لبنان الرسمي لم يعترض عليه. 

الأكثر قراءة

الحريري «اخرج» وتياره من الحياة السياسية وبدأ «خلط الاوراق» : «اللعبة اكبر مني»! اصرار سعودي على «ابعاده» وبرودة اميركية ــ فرنسية والفراغ يقلق الحلفاء والخصوم ورقة الاملاءات الخليجية ــ الدولية «ولدت ميتة» وميقاتي يسعى لإحيائها بتدوير «الزوايا»؟