اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بات معلوماً بعد انتهاء زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الى لبنان الأربعاء، بأنّ أولوية المجتمع الدولي بشأن هذا البلد الاستراتيجي الشرق أوسطي رغم الأزمة الإقتصادية والمالية المستفحلة فيه، تتعلّق بأمرين أساسيين: إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها أي في ربيع العام المقبل، وإنهاء الإتفاق بشأن ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الإسرائيلي. ويبدو أن لا ثالث لهاتين المسألتين، سيما وأنّ الإصلاحات الموعودة لا يبدو أنّها ستسلك طريقها الى التنفيذ في ظلّ حكومة «معطّلة منذ أكثر من شهرين، ما يُعرقل وصول المساعدات الضرورية والملحّة من المجتمع الدولي الى الشعب اللبناني.

وتقول مصادر سياسية متابعة بأنّه في حال جرت الإنتخابات النيابية المقبلة في موعدها الدستوري، على ما أعطى المسؤولون «ضمانات» للضيف الأممي، وعادت الأحزاب نفسها الى المجلس النيابي، فإنّ كلّ الأشهر التحضيرية تكون قد ذهبت سدى، فضلاً عن الأموال التي ستُدفع إن من قبل الماكينات الحزبية أو من قبل خزينة الدولة، وإن كان الإتحاد الأوروبي وبعض الهيئات الدولية قد وعدت بالمساعدة على دفع تكاليف هذه العملية.

لهذا تجد المصادر بأنّ عودة الوجوه البرلمانية نفسها، مع تغيير بسيط لا يستأهل عناء إجراء هذه الإنتخابات، وشلّ عمل الحكومة حتى موعد حصولها، ولا إيقاف أي معالجة للمشاكل الحياتية واليومية التي يرزح تحتها المواطن اللبناني من دون أي إجراء عملي من قبل الحكومة الغارقة في السياسة حتى أذنيها، باستثناء البطاقة التمويلية الموعود أن يبدأ الدفع عن طريقها للعائلات الأكثر فقراً في آذار المقبل، هذا إذا ما صدقت أقاويل وحسابات وزير الشؤون الإجتماعية هيكتور حجّار لجهة تأمين تمويلها لمدّة سنة على الأقلّ. الأمر الذي يُساهم في استمرار صمود بعض العائلات اللبنانية التي باتت تئن من الفقر المدقع.

وأشارت المصادر الى أنّ الماكينات الإنتخابية بدأت بعملها منذ أشهر في التحضير للإنتخابات المقبلة، غير أنّه يبقى متأخّراً بعض الشيء، وكأنّها هي نفسها غير مصدّقة بأنّ الإنتخابات ستجري في الربيع المقبل. أمّا اللاقرار الذي خرج به المجلس الدستوري بشأن الطعن المقدّم من قبل «التيّار الوطني الحرّ»، فسيدفع هذه الماكينات الى تكثيف نشاطها، لا سيما في دول الخارج، على ما لفتت المصادر، لأنّ الناخبين غير المقيمين سوف يقترعون فيها للـ 128 نائباً، ولن يكون انتخابهم محصوراً بالدائرة 16 أي للمقاعد الستّ التي خصّصها لهم القانون الإنتخابي قبل إدخال التعديلات الأخيرة عليه. علماً بأنّهم في الدورة اللاحقة (أي في العام 2026) سيكون عليهم الإقتراع لهذه الدائرة، في حال جرى تنفيذ القانون.

وبرأي المصادر، إنّ عدم اتخاذ بعض القوى السياسية البارزة أي قرار نهائي بشأن ترشّحها الشخصي وخوضها الإنتخابات هو الذي يُبقي بعض الماكينات لا تُبدي حماستها حتى الآن، مثل رئيس «تيّار المستقبل» سعد الحريري الذي لم يحسم قراره بعد بشأن الترشّح أو عدمه، فضلاً عن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي يرأس «تيّار العزم». علماً بأنّه أيّاً يكن قرارهما، غير أنّهما سيدعمان اللوائح التابعة لأحزابهما، وهذا يبقى مهمّاً بالنسبة للمناصرين والمؤيّدين.

وأوضحت المصادر نفسها أنّه في حال قرّر الحريري الإستراحة من السياسة لبعض الوقت، وتسليم عمّته بهية رئاسة «تيّار المستقبل»، الى حين عودته الى الساحة السياسة، سيما وأنّ لديه فرصة حالياً لتعويض وضعه المادي غير المريح، فإنّه سيترك حتماً فراغاً كبيراً على الساحة السنيّة، ما يفتح الباب واسعاً أمام ولادة وجوه سنيّة جديدة، مثل شقيقه بهاء الدين الذي سيتمكّن عندها من الإستفادة من هذه الفرصة السانحة. كذلك الأمر بالنسبة لميقاتي الذي يصبّ اهتمامه اليوم، على ما شدّدت المصادر، على البقاء على رأس الحكومة لمدّة أطول، أكثر من خوض الإنتخابات النيابية، خصوصاً إذا ما جرى «تطيير» الإنتخابات النيابية المقبلة، وذهبت البلاد الى انتخاب رئيس جديد لها في ظلّ حكومته نفسها.

وقالت المصادر بأنّ المجتمع الدولي على لسان غوتيريس طالب لبنان بفصل السلطات وبعودة الحكومة الى الإجتماع والإنتاج والقيام بالإصلاحات، غير أنّ الخلافات والتسويات والصفقات كادت تحصل في ظلّ وجود الضيف الأممي. وهذا يعني بأنّ التغيير المنشود الذي يبدأ من هذا الأمر، ومن خلال ترك الحرية لكلّ سلطة أن تُمارس صلاحياتها وتقوم بعملها من دون أي تدخّلات من أي سلطة أخرى، لن يحصل في لبنان في القريب العاجل. فالأمور ستبقى مرتبطة ببعضها البعض وسيبقى عمل الحكومة معلّقاً، ما دامت القوى السياسية تُبدّي مصالحها الشخصية على مصلحة المواطن.

وذكرت المصادر عينها بأنّ غوتيريس حذّر المسؤولين من تداعيات ربط انعقاد مجلس الوزراء بالملف القضائي، على الوضع الإقتصادي السيىء في البلاد، والذي لن يتحسّن ما دام المجتمع الدولي لا يزال ينتظر رؤية تنفيذ الإصلاحات لكي يمدّ يدّ المساعدة للحكومة الحالية. غير أنّ الثقة المفقودة بين الوزراء تجعل البعض يعيش هاجس اتهامه أو إلقاء المسؤولية عليه في تفجير مرفأ بيروت، وذلك قبل وصول التحقيقات الى أي قرار ظنّي حتى الآن.

ولكن بدلاً من تعاون جميع الأفرقاء للعودة الى مجلس الوزراء، يبدو أنّ الأمور ستبقى مجمّدة، على ما عقّبت المصادر، الى ما بعد فترة عيدي الميلاد ورأس السنة، فالمسؤولون لم يتوافقوا على عقد أي اجتماع للحكومة قبلها، بل تمّ الاستعاضة عنه باجتماع المجلس الأعلى للدفاع. وما هو مؤكّد حتى الآن أنّ الخلافات السياسية تزايدت في ظلّ وجود الضيف الأممي في لبنان، فيما حاول ميقاتي امتصاصها وعدم استقالته لكي لا يزيد في الطين بلّة. فحكومة فعلية لا تجتمع، تبقى من وجهة نظره، أفضل من حكومة مستقيلة تقوم بتصريف محدود للأعمال. لهذا لا ينوي ميقاتي تقديم استقالته، بل استيعاب الأمور، ومحاولة التخفيف من الأجواء المشحونة ومن الخلافات قدر المستطاع.

غير أنّ الوضع المجمّد، على ما أضافت المصادر عينها، لا يصبّ في مصلحة البلاد، في ظلّ استمرار الإنهيار، الذي وصل الى حدّ فرض على غالبية المواطنين اللبنانيين أن يُعيّدوا لأوّل مرّة في حياتهم في ظلّ الحرمان من كلّ شيء لعدم قدرتهم على شراء الطعام والملابس والهدايا لأولادهم، خلافاً لما كانوا يفعلون في السابق.

والمؤسف أنّ هذا الأمر لا يؤثّر في أداء المسؤولين لا من قريب ولا من بعيد، بل يبقى كلّ منهم شديد الحرص على مصالحه الشخصية دون سواها. 

الأكثر قراءة

الحريري «اخرج» وتياره من الحياة السياسية وبدأ «خلط الاوراق» : «اللعبة اكبر مني»! اصرار سعودي على «ابعاده» وبرودة اميركية ــ فرنسية والفراغ يقلق الحلفاء والخصوم ورقة الاملاءات الخليجية ــ الدولية «ولدت ميتة» وميقاتي يسعى لإحيائها بتدوير «الزوايا»؟