اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

وسط الخلافات والتشنّجات السياسية وعدم اجتماع الحكومة على خلفية عدم فصل السياسة عن القضاء، قد يعود الوسيط الأميركي في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بين لبنان والعدو الإسرائيلي أموس هوكشتاين في النصف الأول من كانون الثاني الجاري، على ما أفادت المعلومات، وتحديداً في 13 و14 منه... ولكن ما هي الإقتراحات التي سيُقدّمها الوسيط الأميركي هذه المرّة بعد زيارته الأولى لكلّ من الجانبين والإطلاع على المواقف، ولا سيما بعد ملاحظة تناقض كبير وواضح في المواقف الإسرائيلية، تمكّن السفير السابق الدكتور بسام النعماني المتابع لقضايا ترسيم الحدود البحرية والبريّة من كشفها من خلال الخرائط المقدّمة من قبل العدو الإسرائيلي نفسه.

ويكشف النعماني بأنّ خريطة «الخط الأحمر» الإسرائيلية الصادرة في العام 1976 تُظهر بوضوح أنّ النقطة 29 التي يتمسّك بها الوفد العسكري اللبناني المفاوض على طاولة الناقورة، تدخل ضمن المنطقة البحرية اللبنانية الإقتصادية الخالصة. هذه الحقيقة المفاجئة، لا بدّ وأن تجعل لبنان يتمسّك أكثر فأكثر بهذا الخط، ويتّهم العدو الإسرائيلي في الوقت نفسه بأنّه هو الذي يتلاعب بخطوط الترسيم البحري، وليس لبنان الذي اتهمه هذا الأخير بتغيير موقفه مرّات عدّة عندما تخلّى عن الخط 23 وأصرّ على أنّ منطقته البحرية تصل الى الخط 29 كحدّ أقصى، وربّما أبعد.

ويقول بأنّه إذا قام الوفد المفاوض العسكري اللبناني بإستحضار الخريطة الإسرائيلية «للخط الأحمر» 1976، ومطابقتها وإلصاقها إلى جانب الخريطة البحرية «الجديدة» التي تقدّم بها الوفد الإسرائيلي في الناقورة في العام الفائت، فسوف يكتشف مفاجأة كبيرة. لقد افترض عندما قام بمطابقة الخريطتين مع بعضهما البعض بأن مدّ «الخط الأحمر» سيتقاطع مع النقطة رقم «1» غرب مدينة صيدا، وهو المطلب الذي سبق أن تقدّم به «الإسرائيليون» في خريطتهم البحرية القديمة إلى الأمم المتحدة عام 2010. ولكن النتيجة كانت عكسية. إنّ «الخط الأحمر» الإسرائيلي في حال مدّه في اتجاه البحر، يتوجّه بشكل مباشر إلى.... النقطة «29» (على ما تُظهر الخريطة المُرفقة التي تضمّ الخريطتان المتقابلتين) !!! أي أنّ مطالبة الجيش اللبناني بهذه النقطة لا يبدو لوهلة أنّه الحدّ التفاوضي الأقصى للحدود، بل هو مطلب طبيعي تكرّسه خرائط إسرائيلية سابقة !!! وقد اتهم وزير النقل الإسرائيلي اللبنانيين بأنّهم يقومون بتغيير آرائهم وتعديل خرائطهم بإستمرار، ولكن يبدو إنّ الإسرائيليين يقومون بالشيء ذاته.

وعليه، ينصح السفير النعماني الحكومة اللبنانية بأن تطالب الحكومة الأميركية عبر وسيطها الأميركي الجديد في التفاوض غير المباشر آموس هوكشتاين بأن تسلّمها نسخة رسمية عن خريطة «الخط الأحمر» الإسرائيلية التي قامت الولايات المتحدة بتسليمها إلى سوريا في العام 1976. فإذا كانت هذه الخريطة تمدّ «الخط الأحمر» ولو لسنتيمرات قليلة إلى جهة البحر، فإنّها مؤشر على ما كان يعتبره العدو الإسرائيلي حدود نفوذه البحري داخل المياه الإقليمية اللبنانية... ألا وهي النقطة «29»! واستطراداً، فهذه النقطة بالتالي يمكن اعتبارها ضمن المنطقة البحرية اللبنانية الخالصة. ويؤكّد أنّه من خلال خبرته الديبلوماسية السابقة في مسألة الإستحصال على الخرائط، فإنّ الردّ الأميركي على الأرجح سيكون «إنّ الخريطة «مفقودة» أو «غير متوفرة» أو «لا أهمية لها». وبمعنى آخر، سيرفض الأميركيون تسليمها تجنباً لإحراج المفاوض الإسرائيلي، وإستمراراً لعملية الضغط على لبنان وترهيبه للقبول بالتسويات المقترحة للحدود البحرية. ولا ضير في ذلك، إذ يُمكن إعتماد الخرائط الإسرائيلية «غير الرسمية» التي ترسّم «الخط الأحمر» المذكور.

فما هو هذا «الخط الأحمر»؟ ومن أين أتى؟ وعلى أي أساس رُسم؟ وأين هي الخريطة التي رُسم عليها؟ يُجيب السفير النعماني «لعلّ المرة الأولى التي تمّ فيها استعمال مصطلح «الخط الأحمر» إسرائيلياً هو بواسطة أحد كبار قادة «البالماخ» في حرب 1948، إيغال آلون. وكان قد ألّف في العام 1960 بصفته عضواً في الكنيست، كتاباً بالعبرية أسماه «ستارة رمال». وقد تحدّث فيه عن سياسة الردع الإسرائيلية والتي في حال تجاوز «خطوطها الحمراء»، فإنّ على العدو الإسرائيلي أن يعتبر ذلك مبرراً مشروعاً لشنّ الحرب. ثم أعاد آلون ونشر الكتاب في نسخة عبرية ثانية في آذار 1967، حيث قام بمراجعة ثانية للائحة «مبررات الحرب». وبما أنّ آلون كان وزيراً للخارجية بين عامي 1974 و1977، فمن غير المستبعدٍ أن يكون العبارة «الخط الأحمر» في لبنان هي من بنات أفكاره. وعلى أساسه اعتبر أنّ أي تجاوز لهذا الخط يعني دخول بلاده في حرب مع سوريا. وفي هذا السياق، فإنّ آلون في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية كان يرى ضرورة إبقاء سوريا خارج لبنان وأن يتمّ تقسيم لبنان إلى كانتونات عدّة.

وذكر النعماني بأنّ هذا الخط دخل في مناقشات سياسية عدّة بين الأميركيين والإسرائيليين والسوريين خلال الحرب اللبنانية. وأنّ الحكومة الإسرائيلية عقدت إجتماعاً في العام 1976 ضمّ كبار أعضاء الحكومة والقادة العسكريين آنذاك أي رئيس الوزراء إسحاق رابين، وزير الدفاع شيمون بيريز، رئيس أركان الجيش موتا غور، آلون ومسؤولين آخرين، وناقشت مطوّلاً مسألة التدخّل الإسرائيلي في جنوب لبنان. وتقرّر أن يُرسل آلون مذكّرة في 24/3/1976 إلى واشنطن، جاء فيها أنّه على القوّات السورية ألا تتجاوز «خطّاً يقع عشرة كلم جنوبي طريق بيروت - دمشق. وهو مذّاك، كما يفيد كيسنجر في مذكراته، أصبح يُعرف بـ «الخط الأحمر». وقد طرح كيسنجر أسئلة محددة حول حدود التدخّل الإسرائيلي في لبنان، فأسرع آلون بالإجابة على كيسنجر في الليلة نفسها ببرقية مطولة أرسلها إلى سفيره في واشنطن جاء فيها أنّه في حال تجاوز السوريون خطاً يمتد 10 كلم من محور دمشق - بيروت ستتقدم إلى نهر الليطاني (لم يستعمل آلون كلمة «طريق الشام - بيروت»، بل «محور». وإستعمال كلمة «المحور» يُلمح إلى وجود خط مستقيم جغرافي على الخرائط يصل بين دمشق وبيروت، وهو «الخط الأحمر» الوارد ذكره).

وأضاف النعماني أنّ كيسنجر يذكر بأنّه ليس من نص للإتفاق الضمني الثلاثي، وأنه لا توجد خريطة «للخط الأحمر». ويصف الكثير من المؤرّخين «الخط الأحمر» بأنّه وهمي، أو ظرفي، أو غير موجود. وقد أشار رابين في مذكراته الصادرة باللغة الإنكليزية عام 1979، بأنه عند بداية التدخّل السوري، تم تحديد «الخط» بطريقة «مجازية». ثم قام الأفرقاء المعنيين لاحقاً بالتوضيح بأنّ «الخط الأحمر» يقع من صيدا إلى الحدود اللبنانية - السورية. فيما قال السفير الأميركي السابق في بيروت ريتشارد باركر (77-1978)، إنّه بحث في أرشيف السفارة عن الخريطة، فلم يجد لها أثرٌ في الملفات، وإنّه سأل كيسنجر بنفسه، فأجابه أنه «لم يعد يتذكّر أين يقع الخط». أما المؤرخ الإسرائيلي يائير إيفرون، فيقول بأنه كانت هنالك تفسيرات متعدّدة «للخط الأحمر»، ولكن يمكن تحديده بأنّه الخط الذي يربط ما بين راشيا، إلى جزين، فصيدا.

أمّا اليوم، فقد حاول الوفد الإسرائيلي المُفاوض طرح خط وهمي هو الخط 310 الذي يصل الى العمق اللبناني، مقابل الخط 29 الذي عرضه الوفد اللبناني خلال المفاوضات في رأس الناقورة، وسمّاه «الخط الأحمر» في محاولة منه للتمويه عن الخط الأحمر الفعلي الموجود منذ السبعينات، ويجري اليوم تجاهله من قبله، كما من قبل الولايات المتحدة الأميركية التي تؤدّي دور الوسيط في المفاوضات غير المباشرة للترسيم البحري الحدودي.

وبناء عليه، يشرح السفير النعماني بأنّ الخط الأحمر الذي يعترف به العدو الإسرائيلي، واستخدمه خلال سنوات الحرب في لبنان، يجعل حقوق لبنان البحرية تمتدّ الى هذا الخط نفسه، أي الى الخط 29 الذي يتمسّك به الوفد الللبناني المفاوض. ما يعني، على ما أوضح، بأنّ المنطقة المتنازع عليها والتي تبلغ مساحتها 860 كلم2 مع الخط 23، وأضيفت اليها مساحة الـ 1430 مع الخط 29 والتي تصل بالإجمال الى 2290 كلم2 هي من حقّ لبنان. وهذا الأمر يعلمه الأميركيون والإسرائيليون من دون الحاجة الى تعديل المرسوم 6433 المتعلّق بالإحداثيات الجديدة التي رسمها الجيش اللبناني.

ويخلص النعماني الى القول بأنّ ثمّة نقاط عدّة لا بدّ من التأكيد عليها:

1- إن «الخط الأحمر» إستغرق أشهراً طويلة من المناقشات داخل الحكومة الإسرائيلية عام 1976، وقد تمّ التوصّل إليه على خريطة بعد مشاورات مع حكومة الولايات المتحدة الأميركية على أعلى المستويات.

2- إن «الخط الأحمر» لا يُمثل الحدود الجنوبية للبنان، ولكنّه الحد الآقصى الشمالي لمنطقة النفوذ التي يفترضها الإسرائيليون ضرورية لحفظ أمنهم، فكلّ ما يقع مباشرة إلى الجنوب من هذا الخط، إنما يظل ضمن السيادة البريّة والبحرية اللبنانية حتى الحدود المعترف بها دولياً.

3- إن مدّ «الخط الأحمر» بإتجاه الغرب يتقاطع مع النقطة 29 البحرية والتي تشكل إعترافاً إسرائيلياً ضمنياً بأنها تقع في المنطقة الإقتصادية البحرية اللبنانية.

4- يُقترح على الحكومة اللبنانية الطلب من الولايات المتحدة الأميركية عبر وسيطها الجديد هوكشتاين في مفاوضات الترسيم إعطائها نسخة رسمية عن هذه الخريطة الإسرائيلية والتي جرى تسليمها لاحقاً للجانب السوري.

5- إن إحداثيات الخريطتين اللتين تقدّمتا بهما الحكومة الإسرائيلية إلى الأمم المتحدة في 2010، وفي الناقورة في 2021، هي غير إحداثيات الخريطة التي تقدمت بها في العام 1976. ما يعني أنّ العدو الإسرائيلي يتلاعب بالخرائط والحدود بالشكل الذي يحلو له وحسبما ترتأيه مصالحه.  

الأكثر قراءة

الحريري «اخرج» وتياره من الحياة السياسية وبدأ «خلط الاوراق» : «اللعبة اكبر مني»! اصرار سعودي على «ابعاده» وبرودة اميركية ــ فرنسية والفراغ يقلق الحلفاء والخصوم ورقة الاملاءات الخليجية ــ الدولية «ولدت ميتة» وميقاتي يسعى لإحيائها بتدوير «الزوايا»؟