اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

ذات يوم كتب الصحافي التركي جنكيز تشاندار «هذا الذي اذا دخلت الى رأسه فلسوف تعثر هناك على كل أحذية سلاطين بني عثمان. انه، بمنتهى الشفافية، وريث تلك الأحذية، ما يجعلنا نخشى، وقد تغيرت كثيراً قواعد اللعبة في العالم، أن تكون بلادنا ضحية هذه اللعبة»!!

لم نكن بحاجة لزيارة حاييم هرتسوغ، لكي نرى ورقة التوت الأخيرة تسقط عن وجه رجب طيب اردوغان الذي نسأل لماذا اختار رئيس الدولة بالذات، وهو من دون صلاحيات سياسية، لتطوير العلاقات مع «اسرائيل». هل هي النرجسية أيضاً؟ رئيس دولة مع رئيس دولة.

المفكر المصري الفذ جمال حمدان حدثنا، في شقته المتواضعة وعلى هدير بابور الكاز الذي وضع عليه ابريق الشاي، عن التقاطع الايديولوجي بين شخصية حسن البنا وشخصية تيودور هرتزل، ليشير الى أن جماعة «الاخوان المسلمين» هي الرديف الانكليزي للحركة الصهيونية، وقد انشئت لشق الطريق أمام وعد آرثر بلفور كصدى لـ»الوعد الالهي» بمملكة يهودية من النيل الى الفرات.

ماذا فعل اردوغان في سوريا سوى الاتفاق مع بنيامين نتنياهو على انشاء كوندومينيوم تركي ـ «اسرائيلي» فيها ليكون نقطة العبور الى الكوندومينيوم الأكبر الذي مثلما يمهد لـ «اسرائيل» الكبرى، يمهد لتركيا الكبرى؟

الآن... كوندومينيوم الغاز. في لبنان، والعالم على مفترق طرق، والمنطقة على مفترق طرق، منشغلون في صراعاتنا التافهة، وفي قضايانا التافهة، دون أن نكترث لتداعيات أي اتفاق بين أنقرة و «تل ابيب» حول انشاء خط أنابيب لنقل «الغاز الاسرائيلي»، عبر تركيا الى أوروبا.

في هذه الحال، ماهو مصير الغاز اللبناني والغاز السوري اذا تمكن اللوبي اليهودي من اقناع الادارة بالمردود الاستراتيجي البعيد المدى للمشروع، بعدما كانت ادارة جو بايدن، وقبل اندلاع الأزمة الأوكرانية، قد تمنعت عن المشاركة فيه، ربما لمعرفتها بالشخصية الزبائنية للرئيس التركي أو لكون المشروع لا ينطوي على أي جدوى للولايات المتحدة؟

حتماً في رأس اردوغان ما هو أبعد بكثير من «الغاز الاسرائيلي». كل غاز شرقي المتوسط. ربما هذا ما يثير ريبة بعض اركان الاستبلشمات الذي يرون فيه «الرجل الذي يثير المتاعب بسياساته البهلوانية» .

«الايكونوميست» لاحظت أن غاز هذه المنطقة سيكون أحد المحاور الأساسية في الخارطة الاستراتيجية لمستقبل القارة العجوز. هل يقبل الأوروبيون الذين تحكمهم «عقدة فيينا» أن يكون اقتصادهم رهينة في يد السلطان؟

ولكن أين أوروبا في تعرجات القرن؟ لاحظنا في الأزمة الأوكرانية كيف تساق بالعصا الأميركية، وان كان هناك في اللاوعي الأوروبي قلق تاريخي من روسيا، كأمبراطورية أوراسية، وهذا ما حمل نابوليون بونابرت على دفع أكثر من 500000 جندي لغزوها، وبعده ادولف هتلر بـ 3.5 ملايين جندي ما اعتبر أضخم غزو في التاريخ.

في كتابه «رقعة الشطرنج»، كتب زبغنيو بريجنسكي «منذ أن بدأت القارات بالتفاعل في ما بينها قبل 500 عام، شكلت أوراسيا مركز القوة العالمي. المهم الآن، كيف تستطيع أميركا ادارة هذه المنطقة»؟ لاحظتم الى أي مدى يذهب الخيال الاستراتيجي للولايات المتحدة.

كيف للبنان، بكل تلك الهلهلة السياسية والاقتصادية، أن يكون لاعباً ولو من الدرجة الثانية، في معركة الغاز؟ بالتأكيد آموس هوكشتاين على بيّنة من كل نقاط ضعفنا. مثله مثل فريديريك هوف، وديفيد هيل يلعب على هذا الأساس. لا تنقيب، ولا استخراج، ولا تسويق للغاز، الا باشارة من الأصابع الأميركية التي أظهر الحدث الأوكراني مدى امساكها بمفاتيح الاقتصاد الدولي.

أي مفعول للقانون الدولي أمام القانون الأميركي (لكأنه القانون الالهي)؟ لبنان في غرفة العناية الفائقة. هل تأتي صناديق الاقتراع بالمعجزة؟ يا للمهزلة! ما لنا سوى الصواريخ في وجه الكونسورسيوم الأميركي، والكوندومينيوم التركي ـ «الاسرائيلي».

ولكن ألا يوجد ساسة لبنانيون يسعون للقبض على الصواريخ اياها، بالتالي فرش السجادة الحمراء لحاييم هرتسوغ، مثلما فرشت له في أنقرة؟ كثيرون جاهزون لملْ السلال بالورود. 

الأكثر قراءة

«إسرائيل» تهيىء «الإسرائيليين» لهضم الترسيم وتستعدّ للأسوأ ؟