اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

عادت العلاقات الديبلوماسية اللبنانية - الخليجية الى طبيعتها، بعد نجاح المبادرة الكويتية التي ردّ عليها لبنان الرسمي بأسلوب متجاوب وإيجابي، وذلك بعد أكثر من خمسة أشهر على استدعاء كلّاً من السعودية والكويت والإمارات والبحرين سفرائها من بيروت على خلفية تصريحات وزير الإعلام المستقيل جورج قرداحي حول حرب اليمن. ونتج عن هذه المواقف السلبية آنذاك منع مواطني هذه الدول من السفر الى لبنان، ولاحقاً «التشدّد» في منح تاشيرات للبنانيين. كما ترافقت مع وقف كلّ الواردات اللبنانية، ومن ثمّ أدّت الى تقديم الوزير قرداحي استقالته... ومع عودة سفيري السعودية والكويت منذ أيّام الى لبنان، وحلّ الأزمة الديبلوماسية التي تفجّرت في تشرين الأول الماضي... فهل هذا يعني انتهاء الأزمة اللبنانية - الخليجية، ووقف المقاطعة الخليجية للمنتوجات اللبنانية، وبالتالي عودة الإستثمارات الخليجية الى البلد، أم أنّ العودة جاءت قبل الإنتخابات النيابية لغاية في نفس يعقوب، أي لتحقيق غاية سياسية ما؟!

تقول أوساط ديبلوماسية عليمة بأنّ خطوة عودة سفراء دول الخليج الى لبنان، والعكس بالعكس، لا سيما السفير السعودي وليد بخاري والسفير الكويتي، هي خطوة إيجابية نحو حلّ الأزمة اللبنانية- الخليجية ككلّ... فهي بداية جيّدة لإعادة تعزيز وتطوير علاقات لبنان مع دول الخليج على أسس جديدة، كما لإنهاء القطيعة التي كانت قائمة خلال الأشهر الماضية. ولبنان الذي يتمسّك بالمبادرة الكويتية التي لا تنحصر بالبنود السياسية فقط، إنّما أيضاً بوجوب إنجاز خطّة الإصلاح الإقتصادي، يُعوّل على تعزيز التنسيق والتعاون مع دول الخليج من أجل تسريع تنفيذ التعافي الإقتصادي وعودة الإزدهار الى البلد.

وأشارت الى أنّ تعهّد لبنان بوقف كلّ الأنشطة السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية التي تمسّ سيادة السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي وأمنها واستقرارها، وبتجديد الإلتزام باتخاذ الإجراءات كافة لمنع تهريب الممنوعات، وخصوصاً المخدرات، إلى السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل مباشر أو غير مباشر، قد لقي صدى إيجابياً لدى دول الخليج، وقد ترجمت طمأنينتها هذه بإعادة سفرائها الى لبنان.

وعمّا إذا كانت عودة السفراء الخليجيين الى لبنان، لها علاقة بالإنتخابات النيابية المقبلة، أو بانخراط السعودية سياسياً فيها، لا سيما بعد غياب ممثّلها السابق، أي رئيس «تيّار المستقبل» سعد الحريري، عن المشهد الإنتخابي الحالي من خلال تعليقه وتيّاره العمل السياسي، أجابت الأوساط نفسها أنّ لا شيء مؤكّد حتى الساعة... غير أنّ أداء السفراء الخليجيين في لبنان في المرحلة اللاحقة سيُظهر مدى انخراطهم مُجدّداً في الحياة اللبنانية، أو عدمه، مشيرة الى أنّ عودة السفير السعودي وليد البخاري ستترافق، على ما قيل، مع إطلاق مشروع توزيع المساعدات الإنسانية على اللبنانيين. الأمر الذي قد يدلّ على سرعة الإنخراط في التأثير على الناخبين اللبنانيين وعدم إضاعة الوقت، سيما وأنّ البلاد قد دخلت في خضم الحملات الإنتخابية التي تهدف الى استمالة الناخبين للحصول على أصواتهم في صناديق الإقتراع.

وتجد بأنّ ما أحدثه غياب الحريري عن الساحة اللبنانية، وما نتج عن قراره هذا من بلبلة وفوضى لدى أبناء الطائفة السنيّة الذين قد يلجأون الى «شبه مقاطعة» للإنتخابات النيابية المقبلة، كونهم لم يجدوا بديلاً عنه كزعيم سنّي، رغم أنّ قوى سياسية سنيّة عدّة، تُحاول اليوم مسك زمام الأمور بيدها لملء الفراغ من بعده... قد يكون هذا الغياب ومن ثمّ الضغضعة التي نتجت عنه، هو الذي دفع السعودية لاتخاذ قرار إعادة سفراء دول الخليج الى لبنان ووقف المقاطعة الخليجية له، وذلك لعدم ترك الساحة السنيّة فارغة. ولهذا ستقوم هذه الأخيرة، على ما أفادت المعلومات، بدعم القوّة السنيّة التي تجد أنّ المزاج الشعبي السنّي يميل إليها أكثر من سواها، لكي تحتلّ «المركز السنّي الأقوى» في الحياة السياسية، في المرحلة المقبلة.

وقد تريد الدول الخليجية، على ما عقّبت الأوساط عينها، إعادة تثبيت دورها في لبنان، في أعقاب الإنتخابات النيابية، سيما وأنّ حكومة الرئيس ميقاتي سترحل فور إجراء هذه الأخيرة في 15 أيّار المقبل... ولا أحد يعلم إذا ما كان المجلس النيابي الجديد سيُعيد تكليفه تشكيل الحكومة الجديدة، أو سيقوم بتكليف الشخصية السنيّة «الأولى» أي التي تحصل على أكبر عدد أصوات الناخبين السنّة، بحسب نتائج الإنتخابات.

وأضافت بأنّ الدول الخليجية كما الولايات المتحدة الأميركية وبعض دول الإتحاد الأوروبي تأمل أن تفرز الإنتخابات النيابية المقبلة، مجلساً نيابياً جديداً يضمّ قوى سياسية تغييرية مدعومة منها... ويُمكنها بالتالي كسر الأكثرية القائمة اليوم في المجلس الحالي، أي فريق 8 آذار والقوى المتحالفة معه... غير أنّ أحداً لا يُمكنه منذ الآن معرفة ما ستكون عليه نتائج الإنتخابات المرتقبة، وإذا ما كانت «أمنية» الدول المذكورة ستتحقّق، لا سيما مع تبدّل المزاج الشعبي بعد ثورة 17 تشرين الأول من العام 2019، على ما تأمل، وذهاب الناخبين للمرة الأولى بعد الإنتفاضة الى الإقتراع.

وبرأيها، إنّ الدول الخليجية قرّرت وقف مقاطعتها الديبلوماسية للبنان لكي تكون موجودة عبر سفرائها على الساحة السياسية، وذلك لمواكبة الحملات الإنتخابية ومن ثمّ العملية الإنتخابية عن كثب... فعدم وجود السفراء لن يُفيدها في المرحلة المقبلة، لهذا قامت بإعادتهم في هذه الفترة.. فيما كانت الذريعة أنّها «استجابت لنداء ومناشدات القوى السياسية الوطنية المعتدلة في لبنان، وتأكيداً لما أعلنه الرئيس ميقاتي عن التزام حكومته بوقف كل الأنشطة السياسية والعسكرية والأمنية التي تمسّ المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي.

ولكن في حال نجحت الأكثرية بالعودة الى المجلس النيابي الجديد، على ما أضافت الأوساط عينها، فسيكون للدول الخليجية حسابات أخرى في لبنان، غير أنّها ستتخذها في حينه، كونها لا يُمكنها أن تبني شيئاً على التكهّنات. وفي مطلق الأحوال، من المهمّ عودة لبنان الى الحضن العربي كونه سيحتاج إليه لاحقاً خلال نهوضه المالي والإقتصادي.. وهذا الأمر سيجري بحثه خلال القمّة العربية المرتقبة في الصيف، أي بعد الإنتخابات في أيّار المقبل.