اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

ربما يختزل المشهد الانتخابي يوم الأحد بكلمات ثلاث: فرنسا ضد... فرنسا!!

الصراع ليس بين نظرتين، بل بين نظريتين حول البنية الفلسفية لفرنسا. هل هي دولة الرؤوس المقفلة، والثقافات المقفلة، وحتى الأرواح المقفلة، أم دولة الآفاق المشرعة على الآخر، وسواء هبط هذا الآخر من سروال أريسطو أم هبط من قمباز أبي عبد البيروتي...؟

حين استصدر شارل باسكوا، وزير الداخلية (1986 ـ 1988 و 1993 ـ 1995 )، ذلك القانون النازي حول المهاجرين، كتب الطاهر بن جلون، الكاتب المغربي الحائز على جائزة غونكور، رسالة الى أمه على صفحات «اللوموند» رداً على سؤالها: لماذا أنت هناك؟

صاحب «ليلة القدر» قال: «اننا مستعدون للرحيل شرط أن نصطحب معنا الكلمات العربية الأربعة آلاف التي استوطنت اللغة الفرنسية. حينذاك ستبدو هذه اللغة وكأنها مصابة بالجذام. وجه خشبي شاحب، ومليء بالثقوب».

في احدى زياراتي لباريس كنت اتجوّل مع صديق ذات البشرة السمراء يعمل في مجلة «Jeune Afrique « في منطقة اللوفر. وكنت أتوقف بين الحين والآخر لأتحدث عن عظمة أولئك الملوك الذين فعلوا كل هذا. قال لي الصديق: «لو أخذت قطعة من أي من هذه الجدران وتفحصتها لسوف تجد دمنا هناك». بالدم الآخر، بالثروات الأخرى، قامت عظمة القارة التي تبدو الآن متعبة، وتعيد سبب تعثرها السياسي والاقتصادي الى البطون الخاوية الآتية عبر البحار.

مارين لوبن تريد أن تنزع الوجه الجميل لفرنسا. وجه ماريان (الهة الحرية)، وقد جسدتها وجوه بريجيت باردو، كاترين دونوف، ميراي ماتيو، لايتيسيا كاستا وايزابيل أدجاني بالعينين الزرقاوين الساحرتين اللتين ورثتهما عن أمها البافارية استثنيت بسبب أبيها الجزائري.

تلك الفرنسا الرائعة التي نراها، بتعدد ثقافاتها، على أرصفة الاليزيه لكأنها أرصفة بيروت، أو أرصفة مراكش، أو أرصفة وهران، أو حتى أرصفة لوس انجلس.

كيف يمكن أن تظهر اذا ما أخذت بسياسات لوبن، لكأن أندريه مالرو، فيلسوف «الوضع الانساني» لم يقل «في زمننا، الدولة ـ الغيتو هي الدولة ـ المقبرة». غريب أن اليهود لم ينتبهوا لمعنى العبارة ليزيلوه من الوجود مثلما أزالوا روجيه غارودي...

ولكن هل يختزل ايمانويل ماكرون، الآتي من أروقة (أو من دهاليز) أمبراطورية روتشيلد، الشخصية الفرنسية ؟ في مقاهي الحي اللاتيني، وحيث كنت ترى جان بول سارتر، وسيمون دوبوفوار، وريمون آرون، وحتى سلفادور دالي، وقد تحول الى ملجأ لمثقفي الدرجة الثالثة، تتناهى اليك قهقهات هؤلاء، وهم يقولون «أنظروا الى وجه زوجته، تكتشفون من هو ايمانويل ماكرون» !

هي «ثقافة الحثالة» الشائعة لدى بعض دعاة اليمين (وحتى اليسار الفوضوي الذي يصف ماكرون بالبضاعة الأميركية). ولكن ألا يفترض برجل الاليزيه أن يشعر بأنه سليل شارلمان، ناهيك عن لويس الرابع عشر ونابليون بونابرت...

ماكرون حاول انشاء جيش أوروبي منفصل عن حلف الأطلسي كمنظومة، وكمنظمة أميركية، بعدما قال ان الحلف أصيب بالسكتة الدماغية. للتو ضغط دونالد ترامب على أحدى الدول العربية التي كانت تفاوض الفرنسيين لشراء قطع بحرية بأكثر من 8 مليارات دولار، لتنتقل الصفقة الى ايطاليا، التي كان يصفها بـ»طبق البيتزا اللذيد بعد ساعات مع كرة الغولف».

الصدمة الكبرى بالغاء صفقة الغواصات مع اوستراليا بما يتعدى الـ 45 مليار دولار، وتشكيل حلف «أوكوس» بين أميركا وبريطانيا واوستراليا لمواجهة الصين. بالرغم من ذلك لا خيار أمام فرنسا سوى أن تكون في الخندق الأميركي في الحرب الأوكرانية، واصرار البيت الأبيض على التفرد بقيادة الكرة الأرضية...

لبنان في الأجندة اليومية للرئيس الفرنسي، لكن الشرق الأوسط غاب كلياً عن اليوميات الانتخابية. اللافت أن ناشطين تابعين لأحزاب مسيحية لبنانية يقاتلون الآن بـ «السلاح الأبيض» مع مارين لوبن، ربما تحت شعار «لا أحد ينقذنا من الجنس الآخر في لبنان سوى أدولف هتلر، وان بفستان كوكو شانيل»!! 

الأكثر قراءة

المجلس النيابي الجديد امام خطر التعطيل المتبادل والتغيريين «بيضة قبان» اذا توحدوا؟ توازن نيابي بين «القوات» و «التيار».. وحزب الله يحذر «خصومه» من حسابات خاطئة «الطريق» غير «معبدة» امام الحكومة والاستحقاق الرئاسي بانتظار «التسوية» الاقليمية