اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أسعار المحروقات تلتهب... والسبب الخلّل المُتأصل في آليّات التوزيع
التداعيات كارثيّة... والرقابة والتخطيط ضروريان للجم التقلّبات الكبيرة


تتألف سلسلة التوريد (ٍSupply Chain) من شبكة من اللاعبين الإقتصاديين الذين يُساهمون في تأمين السلع والبضائع للمُستهلك النهائي. وتُعتبر هذه السلسلة عنصرا جوهريا في اللعبة الإقتصادية بحكم أنها تتضمّن الشق اللوجستي من المواد الأولية وصولًا إلى توزيع السلعة إلى المُستهلك مرورًا بعملية إنتاج هذه السلعة. مُشكلة سلسلة التوريد بالمطلق أنها تجمع العديد من اللاعبين الإقتصاديين من شركات، وهو ما يخلق نسبة تعلق كبيرة فيما بينهم، وبالتالي فإن عوامل التأثير على هذه السلسلة قد تكون عديدة (كوارث طبيعية، تغيرات في الأسعار، أزمات سياسية أو أمنية، تغييرات في قيمة العملة...). هذه الشبكة المُعقّدة تجعل من أي عامل خارجي (من خارج الشركة) أو داخلي (من داخل الشركة) يؤثّر على وصول السلعة إلى المُستهلك النهائي عملًا بمبدأ الدومينو. هذه التعقيدات تفرض رقابة قوية على الشبكة بهدف تفادي أزمة فقدان السلعة في السوق أو الحصول على السلعة بأسعار عالية. فما الحال إذا كانت هذه السلعة المحروقات التي تُعتبر عصب الماكينة الإقتصادية وعصب المُجتمعات الحديثة؟

كل يوم يستفيق المواطن اللبناني على أزمة جديدة في سوق المحروقات أو خبر سيىء عن إرتفاع الأسعار. وفي كل مرّة يعمد المعنيون إلى تبرير الأمر من باب عدم وجود دولارات أو إرتفاع أسعار النفط العالمية أو إضراب العاملين في القطاع بهدف رفع الجعالة... الأسباب كثيرة وقد تكون مُحقّة أو لا (لسنا هنا للحكم عليها)، لكن من حقّ المواطن على حكومته تأمين السلع والبضائع والخدمات للمواطن بأسعار مُستقرّة ومعقولة، وهذا من أولى مهامها. وقد يقول البعض أن إرتفاع أسعار النفط العالمية طالت كل بلدان العالم (وهذا حقّ)، فكيف يُمكن للبنان الغارق بمشاكله حلّ هذه المُشكلة؟ في الواقع إظهار المُشكلة من هذه الزاوية يُعطي حقا لصاحب القول، إلا أن ما يجب على الحكومة القيام به هو التخطّيط للمُستقبل وضمان ثبات أكثر بالأسعار، حتى ولو تقلّبت الأسعار في الأسواق العالمية. والكل يعلم أن هناك أدوات مالية عديدة في الأسواق المالية تسمح بهذا الأمر. فلماذا لا تقوم الحكومة بهذا العمل، إذا كان العاملون في قطاع المحروقات غير قادرين على ذلك؟

مشكلة قطاع المحروقات في لبنان الذي هو قطاع خدماتي بإمتياز (إستيراد المحروقات وتوزيعها)، ليس خاضعًا لتنافسية كافية تسمح للقيّمين عليه بالإبداع في تلبية طلب الزبائن، لا بل على العكس، في كل مرّة هناك أزمة يقوم المعنيون بأخذ المواطن رهينة من خلال وقف الإستيراد بهدف الضغط على السلطة أو الإضراب بهدف رفع الجعّالة. ما نقوله ليس بتهجّم على القطاع، لكن إذا أراد المعنيون الاستمرارية في الأسواق على المدى الطويل يتوجّب عليهم التخطيط أكثر والتأقلم أكثر مع العوامل المُحيطة بهم. فالسوق اللبناني لن يبقى على حاله، ويومًا ما سيتمّ فتح القطاع للمنافسة، وهنا المُشكلة إذ أن قدوم بعض الشركات الأجنبية (غير مُلبّننة) قد يُعقّد الأمور على الشركات المحليّة، وقد يجعلها حتى تختفي من الأسواق!

هذا القول لا يأتي من العدم، فاستمرار الوضع على ما هو عليه مع وصول سعر صفيحة البنزين إلى 700 ألف ليرة لبنانية، لن يسمح للمواطن بالإستمرار في إقتناء سيارة تعمل على البنزين، وهو ما دفع بالعديد من اللبنانيين بالتفكير (أقلّه) باقتناء سيارة كهربائية. وإذا تمّ المضي قدمًا في خطة كهرباء قادرة على تأمين الكهرباء بأسعار معقولة، فإن الطلب على المازوت سيقلّ أيضًا.

من هذا المُنطلق، يتوجّب على الشركات القيام بعملية تقييم لنموذج عملها (Business Model)، وعلى الحكومة القيام بالرقابة على عملية إستيراد المحروقات وتوزيعها تحت طائلة وقف عمل مؤسسات الدولة بالكامل! فالموظف الذي يقبض مليوني ليرة وحتى لو أتته مُساعدة إجتماعية تساوي أجره الشهري، فهو غير قادر على الحضور إلى مكان عمله. وهذه مُشكلة كبيرة إذ لا يُمكن إجبار موظف على الحضور إلى مكان عمله، إذا كان أجره لا يكفي حتى لدفع تنقّله من مكان سكنه إلى مكان عمله ومن مكان عمله إلى مكان سكنه.

ما يدفعنا إلى هذا القول، هو أن تقلّبات أسعار صفيحة البنزين كبيرة والتي لا تؤثّر فقط على تنقّل المواطنين، بل على أسعار كل السلع والبضائع. وهو ما لن نتأخر في رؤيته! هذه التقلّبات تجعل التوقّعات بما ستكون عليه هذه الأسعار صعبة نظرًا إلى الهامش الكبير لهذه التقلّبات. وباستخدام نماذج إحصائية، نرى أن هناك إحتمالات لسيناريوهات خطيرة (أنظر إلى الرسم!) قد تؤدّي إلى إضطرابات إجتماعية كبيرة، من الواضح أن الحكومة لا تعّي مدى خطورتها أو أنها متأكدة من قدرة القوى الأمنية والعسكرية من السيطرة على الوضع وبالتالي لا تُعير الأمر الاهتمام اللازم. إن إرتفاع أسعار المحروقات إلى هذه المُستويات يُشكّل إنذارا جدّيا للحكومة للإسراع بالسيطرة على الوضع قبل فوات الأوان!

في ظل هذا الإطار الأسود، يبرز بصيص أمل يأتي من زيارة الرئيس الأميركي بايدن إلى المملكة العربية السعودية، حيث من المتوقّع أن تطال المُحادثات بين الجانبين طلب أميركي من المملكة العربية السعودية بزيادة إنتاج النفط نظرًا إلى مستويات التضخّم التي تطال الإقتصاد الأميركي واقتصادات الدول الأخرى، وهو ما قد يدفعها إلى مرحلة ركودية طويلة الأمد. وفي حال تمّ تلبية هذا الطلب من قبل المملكة العربية السعودية والدول الخليجية (وهي التي تتمتّع بفائض إنتاجي غير مُستخدّم)، فإن أسعار المحروقات في لبنان قد تعود إلى مستويات أقلّ مما هي عليه اليوم.

الأكثر قراءة

مدّوا أيديكم الى حزب الله