اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لقد مرّ النظام المدرسي وقوانينه المرعيّة في التعامل بين الأساتذة والإدارة التربوية من جهة، وبين التلامذة والأهل من جهة أخرى، بمراحل كثيرة، تطورت من النقيض إلى شبه النقيض. وهذا ما خلّف باقة من الإيجابيات والسلبيات على السواء. تجلس مع مربين من الجيل القديم فيأخذك الشغف في حديثهم إلى اللحظة التي عاشوها في تربية الأجيال المتعاقبة، وصولا إلى ملاحظاتهم حول الواقع الحالي.

تقول المربية دعاء صعب الثمانينية: «كانت المدرسة انتظاما وقانونا، وكان الأستاذ والناظر هيبة وسلطة. كانت الحياة أبسط، لا اجهزة إلكترونية ولا هواتف ولا حتى بذخ مفرط في الهندام والأكل وغيره. ما كان الناظر بحاجة لرفع صوته، فمجرد حضوره يحيل الملعب المكتظ وقت قرع الجرس إلى ساحة تعجّ بالصمت والانتظام. وتضيف: كان هناك بعض القسوة ، التي ولّدت احتراما والتزاما بالقوانين، وبالمتابعة والجهد والدراسة حتى لو أن المدرس او المدير، لجأ أحيانا للضرب كعقاب». وتوضح أن «الضرب ما كان لأجل الضرب وكان من الممكن الاستغناء عنه غير أن الوقار كان ميزة الواقع التربوي بحيث يلتزم التلميذ وأهله على السواء ويلتزم المدرس بدوره أمام الإدارة».

وتضيف قائلة: « لقد كان عالم المدرسة عالما خاصا، لا يخضع لرغبات الأهل بل يقدّم لاولادهم العلم بقالب النظام، الذي يكفل انضباطا وتحصيلا وصقلا للشخصيات بعيدا عن المراعاة، و»الغنج»، وتدوير الزوايا لأجل هذا التلميذ او هذه العائلة. فالكل سواسية في الحقوق والواجبات وفي استحقاق التنويه او العقاب، والعمل كان دوما باتجاه هدف أوحد وهو التحصيل والنجاح في التربية والتعليم معا.»

أما اليوم فالواقع مغاير تماما، وتشابكت جدوى الحقوق بجدوى التحصيل وإن بنسب متفاوتة، يقول الاستاذ يعقوب، وهو ناظر في القطاع الخاص، ان «العمل التربوي لا سيما في القطاع الخاص بات مضنيا لكثرة الضغوط. فالمدارس تسعى لاستقطاب الطلاب وزيادة مدخولها وارياحها، وعليه يمرّ الواقع التربوي بالكثير من العقبات والتمييع والتليين، حتى بات التلميذ في كثير من الاحيان سطوة داخل المدرسة تراعى خواطره وإن كان مخطئا . فتقدم التربية صراحة بقالب يراعي حالتين (استمرار التلميذ في المدرسة زبونا والزبون دوما على حق، وسطوة الحقوق المرعية مؤخرا التي تؤخذ اتهاما ضد الأستاذ في حال اتبعها، وتضعه في خانة التعدي.) ويكون في معظم الحالات أمر مجحف جدا بحق التربية، ومصلحة التلميذ، وبحق كرامة وهيبة الأستاذ في الكثير من الأحيان».

ويضيف يعقوب :» مثلا قد يصدر عن التلميذ تصرفات غير مقبولة، وكلام مسيء، وعناد يحاول معه المدرس الاستيعاب والتوجيه ومحاكاة الأمر، ثم يدفعه للتحدث إليه على انفراد والتصويب، غير أن مرات كثيرة تتفاقم الأمور ولا يجدي الأمر تغييرا في السلوك، فيحضر الأهل بمعطيات القصة التي سردها ابنهم وتعقد الإجتماعات بين الأهل والإدارة. ويقابل كلام التلميذ بكلام الاستاذ الذي يجرّح في اغلب الأحيان لتكون النتيجة في النهاية تراكم القضم من شخصية المدرس لاستمرار الإستفادة وإرضاء الزبون».

واشار الى «ان هذا الإنحدار هو نتيجة جمع ما تيسر من كل جانب لمقاربة عملية الربح والخسارة. فالحقوق موجودة ومرعية وما كان الضرب يوما حاجة أو مقبولا، إنما النظام ركيزة، ومتى وجدت ثغرة هشة للانقضاض عليه هلك. فكيف بثغر كثيرة حوّلت النظام المدرسي إلى حصان طروادة تسللت من خلاله الكثير من الشوائب المرافقة للضغوط والاوضاع العامة والأهواء العامة والمصلحة كذلك.»

فإن اخذنا واقع الأستاذ فهو قابع تحت ضغط توصيل المادة بشكلها الممتاز، وفرض الإنضباط في السلوك والتحصيل والوصول بطلابه إلى النجاح في ظلّ غياب الصرامة وأهواء التلاميذ. وفي ظلّ حاجته لوظيفته في الواقع الإقتصادي الصعب، يعمد الأستاذ إلى تدويرر الزوايا قسرا ليوفّق بين استمرار وظيفته والكسر من نفسه احيانا.

وأما واقع التلاميذ ففيه اكثر من مقاربة :

- وضع الاهل الإقتصادي في كثير من الأحيان وهمهم في تعليم أولادهم يجعل مقاربتهم لفشل أولادهم غالبا بتحميل المدرسة والمدرسين المسؤولية، ويكون سلاحهم القسط الذي يدفعون، ويعتبرون من خلاله أنهم بذلك قد استحقوا « الباكيج» كاملا, نجاح وانضباط وعدم شكوى اولادهم وعدم الشكوى منهم.

- ويطالعك أحيانا أهل مرتاحون ماديا، ورغم تقصير أبنائهم أو حتى سوء سلوكهم، وعدم انضباطهم دائمو التعليق والشكوى والطلب وانتهاك القوانين لتمييعها لمصلحة أولادهم. فأصبح الاهل يناقشون بالدوام ، بوقت الحضور ، بحجم الدروس، بتوقيت الإمتحانات، بتوزيع التلاميذ على الصفوف، بالعلامة، وطريقة التصحيح وطريقة الشرح، بالعطل المدرسية، بالعقاب اعتراضا ومناقشة، بطريقة الأستاذ وتحديد ما كان أجدى، بعدد الدروس ومضمون المفكرة، إلى أمور تتعدى ذلك إلى احتكار خصوصية الأستاذ باوقاته التي تكون خارج الدوام حتى لكأنه مطلوب منه التواجد بحالة استنفار دائمة في كل الأوقات حتى ساعات متأخرة تلبية لاستفسارات واعتراضات.

طبعا هذا الأمر ليس معمما فتجد بين الأهل واقعيين، مقدرين، متعاونين وعقول سلسة تسعى إلى هدف مصلحة أولادهم بالتكامل، فيعلمون أن التكامل بين المدرسة بأساتذتها والأهل على موجة واحدة، إن صبّ، يصب في مصلحة التلميذ دائما.

في حديث ومقاربة للامر مع مرشدة إجتماعية واختصاصية علم النفس السلوكي في إحدى المدارس الخاصة، تقول: «بين التفهم والنظام يرسو الحل، ولهو أمر على بساطته دقيق التنفيذ. فنحن اليوم غير الأمس ونواجه معطيات جديدة في السلوك والأداء والحاجات وغيرها، فالناس في تغيير مستمر وتعاني ضغوطات مختلفة ومستمرة».

اضافت: «نفسه الأستاذ والد او والدة، وأنفسهم الأهل موظفون وعاملون، والكل في ضبابية الظروف والإنفتاح التكنولوجي، الذي يستقدم كم هائل من المعلومات بين مغلوطة وصحيحة. وكلّ يستقبلها بطريقته ومدى تحصنه وتحليله وإدراكه ويسقطها على واقعه بتمرد تارة وانتقام طورا وحبّ بالتغيير والوصول مرات أخرى».

وختمت: «لذا فإن السياسات التربوية من البدء يجب ان تقدم في قالب يحاكي الأهل ، يجمعهم ،يتحدث إليهم وكذلك التلاميذ بحيث يتم التوجيه المتكرر، بحيث يعهد إلى المدرسة بإدارتها وأساتذتها بعد إتمام التوجيه الإلتزام بطريقة عمل موحدة في المقاربات والحلول ومعالجة الامور. يكون فيها الكلّ سواسية امام قانون مدرسي يضمن فهم المشكلة والتوجيه لكل الأطراف ويفرض التزاما على الكل تكون مخالفته خطأ يحاسب عليه بطرق تذكر ويتم اعتمادها دون تمييع».  

الأكثر قراءة

إجراءات البنوك لا تردع المقتحمين.. ساعات حاسمة بملف الترسيم والأجواء الإيجابيّة مُسيطرة ولكن.. ميقاتي يشكو عراقيل كثيرة بملف الحكومة.. وحزب الله يتدخل للحلحلة