اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

غالبا ما يُسأل التلميذ وهو لا يزال صغيرا،»ماذا تريد أن تتخصص حين تكبر» فيجيب أحدهم بطبيب او مهندس أو محامي وإلى ما هنالك. في عمر صغير، تكون هذه التطلعات نتيجة ما سمع الطالب من محيطه،أو ما زرع في راسه من أحلام والديه أو لأسباب كثيرة. غير أن التلميذ حين يصل المرحلة الثانوية. تبدأ الإحتمالات تتضح أمامه فيستثني ما لا يريد ويدرس إحتمالات باقية أو مستجدة. وتمر السنوات الثلاث الثانوية يكون خلالها قد أجرى البعض من التلامذة المتوجهين إلى الجامعات الخاصة إمتحانات تمكنهم من الإلتحاق باختصاصات معينة بحسب مجموعهم. ومن جهة أخرى، تلجأ بعض المدارس الخاصة إلى استضافة جهات معينة أحيانا تكون جهات جامعية من جامعات خاصة أو حتى جمعيات، تعنى بالوضع الأكاديمي، فتوجه التلاميذ من خلالها لطريقة أخذ القرار لناحية الإختصاص المختار بما يلائم قدرات وتطلعات التلاميذ واحتياج سوق العمل والأفق التي يقدمها الإختصاص لهم والخصومات الجامعية التي من الممكن الإستفادة منها.

تبقى كل تلك المحاولات والجهود المقتصرة أحيانا كثيرة على القطاع الخاص، دون أفق وعاجزة عن تحقيق اهداف كبرى وذلك لأسباب عديدة:

أولا:غياب تام لأي خطة للدولة لناحية توجيه المتعلمين إلى اختصاصات يحتاجها سوق العمل. وطبعا هذا يتطلب جهود عدة وزارات لدراسة الواقع الإقتصادي، الإنتاجي، الصحي، الخدماتي، والتربوي... ووضع استشراف علمي وعملي يوجه الطلاب ناحية الإختصاصات المطلوبة.

ثانيا: لا زالت المناهج المدرسية اللبنانية رغم كل المحاولات لتطويرها لا تحاكي الواقع الذي يؤمن الإنتقال من النظري إلى العملي فيكون الطالب قد تأكد من ملاءمة قدراته وشغفه للإختصاص المطلوب.

ثالثا: الأوضاع الإقتصادية والمادية. فإذا ما أخذنا الجامعة اللبنانية فهناك بعض الإختصاصات التي لا تتطلب امتحانات دخول وأخرى تتطلب ذلك. ولما كانت نسبة التلامذة المختارين لكليات كالهندسة والطب والصيدلة قليل جدا، يلجأ الطلاب في ظل غياب المكون المادي إلى اختيار أي إختصاص متاح في رحلة إحباط تبدأ أولى معالمها في عدم القدرة على إختيار الإختصاص المرجو. أما في الجامعات الخاصة، فالفرص متاحة لاختيار الإختصاصات إذا ما توفرت المادة وحينما كانت اختصاصات الطب والصيدلة والهندسة وغيرها ذات كلفة عالية جدا فلا يجد التلميذ الغير مقتدر ماديا مجالا أمامه إلا لإختيار المتوفر والمقدور عليه. جوري تلميذة متفوقة وقد نالت معدلا عاليا في الشهادة الثانوية ، خذلها الوضع المادي ولم تتمكن بعد ثلاث سنوات من درس العلوم التحضيرية ان تكمل في الطب فاكتفت باخد ليسانس في العلوم والإتجاه لمهنة التعليم لتسعف اهلها. فيما وبحسب جوري تمكنت صديقتها التي ما كانت بذات الكفاءة والتميز من أخذ شهادة في الصيدلة رغم أنها قد تعثرت بحمل المواد لأكثر من فصل إلا أن وضعها المادي كان مساعدا لتنهي بنجاح دون عوائق.

رابعا:استنسابية الدعم للتلامذة، وتوجه الاحزاب والمجتمع السياسي لتامين الوساطة او الدعم المادي لطلاب دون غيرهم ما يفوت الفرصة في كثير من الأحيان على نوابغ من الحصول على فرصة للتعلم.

خامسا: غياب الدعم النفسي التوجيهي لجميع الطلاب بحيث يساعدهم على الإختيار بعيدا عن الهموم والمشاكل والتخبط الكبير في ظل الأوضاع السائدة ليتمكنوا من الإختيار بثقة لا بردات فعل وهروب.

تقول السيدة وفاء وهي مدرسة في التعليم الرسمي في محافظة الشمال: خسرت زوجي منذ اكثر من ست سنوات وكان إبني المتفوق دائما في سنته المدرسية الأخيرة ورغم الوضع النفسي الصعب تمكن من النجاح بمعدل عالٍ وأضافت لقد تلاشت أحلامه وأحلامي كما عمر والده فلا راتبي يسمح بتسجيله في جامعة خاصة ولا حتى الإختصاص الذي يريد. أكمل إبني علومه في الجامعة اللبنانية وفي الكلية الاقرب لتفادي المواصلات وضياع الوقت فاختارته العلوم السياسية ولم يخترها، ودرس دون شغف وعمل كنادل إلى جانب دراسته ولا زال إلى اليوم بعد تخرجه يبحث عن وظيفة قد تكون بديل حلم خسره. إنما في هذا البلد وبحسب السيدة وفاء من لا ظهر سياسيا تبعيا له ولا مادة له يقتل على مقصلة العدم بحبل أحلامه.

من جهة أخرى، وبواقع لافت يحرز الطلاب اللبنانيون تحديدا في بلدان الإغتراب تمـــيزا في درجات التحصيل العلمي وإبداعا في مجالات كثيرة منها الإختراع ويتم الإستفادة من النبوغ اللبناني وتوظيفه في خدمة تطور وتقدم لبلدان التي يتعــلمون ويعملون فيها والملفت من القديم وحتى يومنا تمسك الدول بهذه الطاقات في حين يهمش الوطن طاقات كثيرة، كان من الحتمي لو تم احتواؤها أن تنهض بهذا الوطن إلى واقع لا يشبه التخبط الوسائطي الفاشل السائد فيه. 

الأكثر قراءة

إجراءات البنوك لا تردع المقتحمين.. ساعات حاسمة بملف الترسيم والأجواء الإيجابيّة مُسيطرة ولكن.. ميقاتي يشكو عراقيل كثيرة بملف الحكومة.. وحزب الله يتدخل للحلحلة