اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بمرارة من خشي أن تدخل بغداد في أوديسه الدم، صرخ أحد العراقيين... انهم ينبشون قبر هولاكو!!

ابان حكم صدام حسين، دعاني الشاعر شفيق الكمالي، وكان عضواً في القيادة القومية لحزب البعث، الى العشاء في حديقة اتحاد الكتاب العراقيين، كان يحتسي «الويسكي» بشراهة أثارت ذهولي. لاحظ ذلك، وقال ضاحكاً «أتوقع أن تكتب عما فعله ذلك البدوي حين شاهد بريجيت باردو وهي عارية». هكذا كان يتعاطى مع زجاجة «الويسكي».

لدى انتهاء العشاء، رحنا نتجول في الحديقة التي حلت فيها القناديل محل الورود. كان يترنح مثلما كان يترنح أبو نؤاس بين جواري هارون الرشيد الذي كانت لديه أربع زوجات وأربعة آلاف جارية. لا حاجة لحوريات الجنة...

سألته لماذا كل هذا؟ أجاب «كيف يفترض بي، في ظل هذا النظام، ألاّ أبقى ثملاً على مدار الساعة»؟ لو تكرر المشهد الآن مع أي شاعر آخر لقال كيف يفترض بي، في هذا البلد، ألاّ أبقى ثملاً على مدار الساعة؟

حين يقرأ الأصدقاء العراقيون مقالتي، لا بد أن يتساءلوا «هذا اللبناني الذي بلاده في مهب الحرائق، وفي مهب الخرائط، ويتحدث هكذا عن بلادنا»؟ يا أصدقائي، انني أتحدث من أحد مقاهي الرصيف في جهنم...

قيل كثيراً ان العراق يحتاج الى رجل بحكمة حمورابي وتكشيرة الحجاج. ما من أحد من الوجوه السياسية تنطبق عليه هذه المواصفات، لكأن العراق مثل لبنان، خلا من رجال الدولة ليضج برجال الطوائف، اللاهثين وراء المال ووراء الضوء، وان كانوا بعقلية الصفائح المعدنية...

أمامنا مقتدى الصدر. لا أحد يعرف أين يضع هذا الرجل قدميه، وأين يضع رأسه. كل رصيده أنه نجل محمد صادق الصدر، الشخصية السياسية والدينية المؤثرة التي سقطت برصاص برزان التكريتي عام 1999.

كما أنه زوج أسماء، ابنة المفكر والفيلسوف محمد باقر الصدر الذي حاول صياغة نظرية ايديولوجية حول الاقتصاد الاسلامي(!!) تدحض النظرية الماركسية، وقد أعدمه صدام حسين عام 1980.

لا معطيات حول البعد الثقافي أو البعد الفكري في شخصيته. تابعنا خطواته، وسألنا الكثيرين ممن يعرفونه عن كثب. لم يأخذ شيئاً من أبيه ولا من أب زوجته، حتى ليقال ان مشكلته أنه كذلك، لكنه يطرح نفسه شعبوياً، كونه الاثنين معاً.

في هذه الضوضاء البابلية، أين هو المرجع المحترم علي السيستاني، وهل تكفي حياة التقشف، حتى التقشف في المواقف، حين تكون بلاده على حافة الدم؟ بلغنا أن ثمة اشكالية ما مع جهة اقليمية جعلته يلوذ بالصمت!

هذه هي الجلجلة الشيعية في العراق منذ يوم كربلاء. الآن زعماء من ورق. أما من يمتلكون الحنكة والنزاهة في التعاطي العقلاني والرؤيوي مع التضاريس الطائفية والاتنية، فلا مكان لهم بين الجماهير التي أقرب ما تكون الى العواصف الهوجاء. أجل... العواصف الهوجاء.

دائماً، علينا أن ننتظر مفاجآت دراماتيكية، وغالباً متناقضة، من مقتدى الصدر الذي كما لو أنه أحد أبطال «والت ديزني»، لا سليل عائلة عرفت بقوة الموقف، وبوضوح الموقف، وباتزان الموقف، حتى ولو أدى ذلك الى حبل المشنقة. خصومه يقولون «لولا العباءة والعمامة لفاق الفيس بريسلي في الروك اند رول».

اذ ترددت كثيراً عبارتا «لبننة العراق»، و»عرقنة لبنان». نسأل سياسياً عراقياً عن الاحتمالات. في رأيه أنه لو كان مقتدى الصدر صاحب رؤية (ورؤيا) كما آباؤه لقاد العراق الى الخلاص، خلاف ذلك زاد في تأجيج المشهد السياسي والمشهد الشعبي، ليمضي أوركسترالياً مع الساسة الآخرين، في ابقاء العراق ضحية الصراعات الجيوسياسية، سواء كانت اقليمية أو دولية…

السياسي اياه واثق من أن قرارالصدر باعتزال السياسة ليس ناتجاً عن لحظة فلسفية، بل عن لحظة نرجسية، ولكن حين رأى المشهد في المنطقة الخضراء، يبدو أنه استفاق فجأة، واتخذ القرار المنطقي بدعوة أتباعه الى الانسحاب.

بصورة عامة، لو كان هناك منطق لدى رجال السياسة في لبنان، لكان هناك منطق لدى نظرائهم في العراق. هناك «لبننة العراق» وهنا «عرقنة لبنان» !!

قد تكون هذه هي الفرصة التاريخية أمام الصدر ليسأل آباءه، وهم في العالم الآخر، ماذا عليّ أن أفعله من أجل العراق؟ نتصور الاجابة هكذا، احزم انت والساسة الآخرين حقائبكم ، واذهبوا الى أي مكان آخر لا يراكم فيه أحد...  

الأكثر قراءة

سليمان الجد يحتضن سليمان الحفيد