اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تكثر التوصيفات للازمات والحروب التي تحصل في العالم، حيث يتشابه بعضها، فاطلقت «القبرصة» على الحرب الاهلية في لبنان، او التحذير منها في مطلع العام 1975 ، بعد ان بدأت بوادرها تلوح، حيث عاشت قبرص تقسيما بين شطرين تركي ويوناني، وهذا ما شهده لبنان في سنوات ازمته القاتلة والمدمرة طيلة 15 سنة، وانقسم بين «شرقية» و»غريبة»، ثم بين «كانتونات» طائفية، مع دعوات لـ «دولة مسيحية» واخرى «اسلامية»، ثم «درزية»، الى ان توقفت الحرب في العام 1990، وسقطت «القبرصة» ومعها «الأسرلة»، وانتهت «السورنة»، وخشي اللبنانيون ان يتحول وطنهم الى «العرقنة» مع ظهور صراع سني ـ شيعي.

وبات العراق يشبه لبنان بعد الغزو الاميركي له، اذ صيغ له «دستور فدرالي»، بتوزيع طائفي للسلطات، فاصبحت رئاسة الجمهورية للاكراد دون صلاحيات واسعة، ورئاسة مجلس النواب للسُنة، ورئاسة الحكومة للشيعة كأكثرية شعبية، وبات الصراع على السلطة التنفيذية، وهذه المرة بين الشيعة انفسهم، كما الموارنة في لبنان على رئاسة الجمهورية، وارتباطات كياناتهم السياسية والطائفية بمحاور اقليمية ودولية، وتأثير الخارج على الداخل العراقي.

فبعد عقدين من سقوط نظام حزب «البعث العربي الاشتراكي» الذي تحوّل العراق معه الى حكم الحزب الواحد، الذي ترأسه صدام حسين لنحو عشرين عاماً بسلطة مخابراتية دموية، لم توفر قياديين في «البعث» ولا اعضاء منه، كما معارضين له، لكن مع سقوط صدام واعدامه فيما بعد، على يد القوات الاميركية ومن تعاملوا معها ووصلوا الى السلطة، فان العراق يشهد منذ نيسان العام 2003 فوضى سياسية ودستورية، وصراعاً على السلطة، حيث «اللبننة» في مفهومها السياسي وانقساماتها الطائفية والمذهبية، والصراعات على السلطة، هي التي تسود العراق، وفق مرجع مطلع على الازمة العراقية، لان الدستور الذي وضعه اول حاكم اميركي لعراق رايان بريمر قام على التوزيع الطائفي، وانشأ ممراً للطائفية السياسية تعبر من خلاله الطوائف والمذاهب الى السلطة، وبات لزاماً عليها ان تتوافق او تتصارع على المصالح الطائفية والسياسية والفئوية.

كما هو حال لبنان في دستوره القائم على بند فيه بالمادة 95، التي نصت على اعتماد الطائفية السياسية، التي بدأت بذورها في العام 1864، عندما وُضع «بروتوكول» للحكم في لبنان، رعته سبع دول، لادارة الحكم الذاتي لامارة جبل لبنان، فنشأت قائمقاميتان الاولى في شماله بادارة قائمقام مسيحي، وآخر درزي في جنوبه، فنشأ النظام الطائفي في لبنان برعاية دولية ثم فرنسية، ومثله في العراق برعاية اميركية، لتقع بلاد ما بين النهرين في ازمات وحروب داخلية دائمة.

وما يجري في العراق، هو استنساخ لما حصل ويحصل في لبنان حول صيغة الحكم، اذ لحظ دستور لبنان ما سمي بـ «الديموقراطية التوافقية» التي يجري استخدامها، عندما لا يفوز فريق ما سياسي او طائفي باكثرية نيابية، لانها المرجعية الدستورية لتسمية رئيس الحكومة، لذلك كانت الانتخابات النيابية ما بعد الانسحاب السوري من لبنان، تخاض حول من يملك الاكثرية النيابية التي تتحكم بانتخاب رئيس الجمهورية، كما باختيار رئيس الحكومة وقبلهما رئاسة مجلس النواب، وهذا ما شهده لبنان في مراحل سياسية عدة، لا سيما منذ العام 2005 ، اذ استفرد فريق 14 آذار الذي حصل على الاكثرية النيابية بالسلطة، التي تحولت الى فريق «محور المقاومة» في انتخابات 2018، ولم يحصل عليها في الانتخابات النيابية الاخيرة، لكنه امّن فوز الرئيس نبيه بري رئيساً لمجلس النواب بـ 65 نائباً ومثله نائبه الياس بوصعب.

وفي العراق الذي فاز «التيار الصدري» وحلفاؤه بالاكثرية النيابية، ضد «الاطار التنسيقي» برئاسة الرئيس الاسبق للحكومة نوري المالكي مع «حزب الدعوة» وحلفائه، فان الصدر طالب بان تحكم الاكثرية النيابية وتسمي رئيس الحكومة، فدعاه معارضوه الى «الديموقراطية التوافقية»، وبان تتمثل كل المكونات السياسية والطائفية لكنه رفض، ولم يقبل باي عرض، حيث جرى طرح اعادة الانتخابات، ودعا نوابه الى الاستقالة، فاستعيض عنهم بالردفاء. وتصاعد التوتر بين «التيار الصدري» وحلفائه من جهة، وخصومه في الاطار «التنسيقي» من جهة، واخذ الصراع بُعدا خارجياً، لجهة رفض الصدر للنفوذ الايراني في العراق، وابقاء المرجعية الدينية للشيعة في النجف وليس في قم، واتهمه خصومه بانه يتعاون مع السعودية التي فتحت حوارا مع ايران عبر العراق ورئيس حكومته مصطفى الكاظمي الذي يلقى تأييداً اميركياً وخليجياً، حيث بدأ الصراع الداخلي يأخذ منحى دموياً، مع اعتزال مقتدى الصدر السياسة، مما دفع بمناصريه الى الشارع الذي تحوّل الى اشتباكات مسلحة ورفض لقرار حظر التجول، ودخل العراق في ما يشبه الحرب الاهلية، التي تدور داخل «البيئة الشيعية»، وبذلك يكون دستور العراق الطائفي المصنّع اميركياً قد تسبب بالازمة، كما هي حال لبنان، المصنوع دستوره خارجياً وبارادة لبنانية.

«فاللبننة»، هو ما يمكن وصف العراق، حيث الصراع على السلطة ومكاسبها، وقد غنم منها من تولوا زمامها، بعد الغزو الاميركي، مئات لا بل الاف مليارات الدولارات، ذهبت الى ادارات اميركية ومسؤولين فيها، كما الى سياسيين عراقيين، يُدل عليهم بالاسم وما جنوه من اموال، ويعيش الشعب العراقي في الفقر والجوع ودون بنية تحتية، وهو البلد الثالث المصدر للنفط.  

الأكثر قراءة

مدّوا أيديكم الى حزب الله