اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

«لا أتصور أن مهمة مارك سايكس انتهت بموته وهو في الأربعين. لربما أخذ الله برأيه حول اعادة النظر في خارطة... العالم الآخر»!

ديفيد لويد جورج لم يتلفظ بذلك ساخراً. كان يعتقد بعبقرية الديبلوماسي الانكليزي، الذي وضع مع نظيره الفرنسي فرنسوا جورج ـ بيكو الاتفاقية الشهيرة عام 1916، رأى أنه «لو لم يصنع تلك الدول العربية، وحيث القوميون يرجمون قبره بالحجارة، لامتدت حروب القبائل لألف عام». هكذا كان رئيس الوزراء البريطاني يفهم العرب: العباءة والخنجر...

ألهذا قال ديزموند ستيوارت «ما ان تولى الأميركيون ادارة الشرق الأوسط حتى استحال الى جحيم. اذا ابقوا في سياساتهم العشوائية هناك، لا بد أن نشهد نهايات العالم حيث كانت بدايات العالم»؟...

آنذاك، رد عليه محمد حسنين هيكل. «..ولكن ألا تتصور أن ونستون تشرشل كان يتجول بسيكاره في رأس فرنكلين روزفلت»؟ حدث ذلك في يالطا قبل أن يقرر دوايت ايزنهاور بطل النورماندي، أن يضع الأمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس في قعر الحقيبة الأميركية.

الآن ليزا تراس، رئيسة للحكومة البريطانية. هي المرأة الثالثة في 10 داوننغ ستريت بعد مارغريت تاتشر التي جعلت حتى الاقتصاد البريطاني يتماهى فلسفياً مع الاقتصاد الأميركي باقتفاء أثر رونالد ريغان في تبني نظرية ميلتون فريدمان، اليهودي الحائز نوبل في الاقتصاد النقدوية»» (Monetarism) ، وبعد تيريزا ماي التي لم تترك أي أثر وقد فاخرت، في الذكرى المئوية لوعد بلفور، بكون بلادها «أول من استجاب للوعد الالهي» .

الأسقف الكاثوليكي جون وايتهيد الذي توارى بسرعة عن المسرح، أو تم دفنه وهو على قيد الحياة، أتهم الانكليز بتهويد أميركا من خلال البيوريتانز (الطهرانيون) الذين غادروا أنكلترا في منتصف القرن السابع عشر الى العالم الجديد على متن السفينة «ماي فلاور».

هؤلاء الذين تمثلوا خروج موسى من مصر، ونشروا ثقافة التوراة هناك (بما في ذلك جامعة هارفارد)، هم آباء المسيحية الصهيونية التي تمسك بمفاصل الدولة العميقة.

تراس ثاني امرأة، بعد مارغريت بيكيت، تشغل حقيبة الخارجية. لن تكون العلاقة بين مقر رئاسة الحكومة وقصر بكنغهام كما في عهد تاتشر التي لم تكن الملكة اليزابت تكنّ لها الود، لاعتقادها أن ابنة البقال تحاول تأسيس سلالة ملكية تحل محل سلالة وندسور، كون هذه السلالة من اصل جرماني لا من أصل انكليزي.

لم يكن ذلك ليعني الملكة فيكتوريا التي امتدت فيها الأمبراطورية الى اقاصي الكرة الأرضية. المرأة الهائلة التي كانت تمتطي الحصان على طريقة جنكيزخان، وزعت أبناءها التسعة بزيجات ملكية في أرجاء القارة، الى أن وصفت بـ»جدة القارة الأوروبية».

تراس لا تكترث كثيراً بالشرق الأوسط. واذا كان أرنولد توينبي، فيلسوف التاريخ، قد قال انه حتى القضاء والقدر لم يستطع ترويض هذه المنطقة، فهي تفضل أن تكون مثل بوريس جونسون، ظلاً للبيت الأبيض.

لم يعد بامكان بريطانيا (العظمى)، المرهقة بسبب التداعيات الاقتصادية للحرب في أوكرانيا، أن تؤثر في السياسات كما في بدايات القرن العشرين. القرن الحادي والعشرون ينبغي أن يكون أميركياً، أميركياً فقط.

كراهية مفاجئة لفلاديمير بوتين، مع أن اياً من القياصرة لم يقترب من الجزر البريطانية المتفلتة حتى من الكرة الأرضية. واذ ظن كارل ماركس أن بريطانيا ستكون الدولة الأولى التي تأخذ بالايديولوجيا الشيوعية بالنظر لفاعلية ولكثافة الطبقة العاملة فيها، ظلت هذه الايديولوجيا بعيدة كلياً عن العقل الانكليزي.

لنذكر سؤال المفكر الروسي ألكسندر دوغين «اذا كانت أميركا قد تحررت من الاستعمار البريطاني، متى تتحرر بريطانيا من الاستعمار الأميركي»؟

اذ وصف بوريس جونسون بـ»المفوض السامي الأميركي لدى صاحبة الجلالة»، قد ينطبق التوصيف على ليز تراس، بنظرة باهتة الى الشرق الأوسط، وان قال اندريه فونتين «لعل العقدة الفرويدية تلعب في اللاوعي الأنكليزي: لندع الأميركيين يغرقون هناك مثلما أغرقونا في مياه السويس عام 1956»!! 

الأكثر قراءة

سليمان الجد يحتضن سليمان الحفيد