اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تخيّل لو انتُهك الوقت في المطارات حول العالم، فانطلقت الطائرات دون التزام بمواقيت إقلاعها وهبوطها، كيف سيتحول الفضاء إلى مسرح للتشابك والتضارب والفواجع، تخيل الفوضى العارمة على الأرض بين المسافرين والحجز و الخدمات والمواعيد والأعمال وغيرها الكثير.

تخيّل لو انتُهك الوقت في المستشفيات وأهمل، فأُجلت عمليات، وسوفت إجراءات، وتأخرت طوارئ عن الانقاذ السريع، أو تأجل تزويد أحدهم بالأوكسيجين ولو لدقائق.... لأضحت المستشفيات مسرحا للكوارث ، وارتكبت الجريمة بإغفال اهمية التوقيت والوقت.

يدخل الوقت في كل تفاصيل الحياة على اختلاف مجالاتها، وتعدد تشعباتها، من العملية والصحية والاجتماعية والنفسية وما إلى ذلك، لدرجة أنه أحيانا تكون الكلمة نفسها قادرة على تغيير جذري لو قيلت في الوقت المناسب ، وتفقد جبروتها إذا فات الوقت.

إن الوقت ثقافة، تتميز بها المجتمعات الناجحة والمتقدمة. وهي لأمر يتجلى في الأعمال والعلاقات الاجتماعية وغيرها، إذ تنشأ علاقة احترام متبادلة بين الشخص ومحيطه العملي والخدماتي والاجتماعي على حد سواء، ما يعطي الحياة شكلا ذا قيمة عالية، تخفف من وطأة الكثير من المعرقلات وتمنع تداخلها في الحياة اليومية فتنعكس ارتياحا نفسيا ومعنويا، إضافة إلى الارتياح المتعلق بالإنجاز والتحقيق ... يخرج الموظف أو المدير وصاحب العمل في البلدان المتقدمة بوقت معين يلتزم به صباحا، ليجد وسيلة النقل العام بانتظاره في توقيت يعرفه، إن لم يستقل التقل الخاص. يسير في طرقات يعلم تماما المدة التي ستسغرقه لاجتيازها، نظرا للاهتمام بالبنى التحتية والمواصلات وما إلى ذلك من قبل الدولة. يصل عمله بهدوء، دون انفعالات ترافقه على الطريق، يدخل اجتماعاته في الوقت المحدد، وينهيها في الوقت الذي سبق وتبلغ به عن مدة الإجتماع، يستقبل مواعيده، يسلّم مهامه المنجزة... ويترك عمله في الوقت المحدد للانتهاء، بحيث أنه إذا ما استجد وقت عمل إضافي علم به مسبقا، واعتبرته الجهة المشغلة وقت عمل إضافي يتقاضى بدله ... الموظف في الغرب يعلم جدول عطله، فراغاته، وعمله، وهذا ما يمكنه من التخطيط لعطله السنوية مسبقا، والإستفادة من العروض وغيرها... ويجعله في حالة من الهدوء النفسي حتى في اوقات العمل الضاغط، إذ يكون لديه تصوّر لنا سيطرا ويحدث، ويجد ان مجهوده ووقته مقدرين ومحترمين.

في نظرة عن كثب للواقع في لبنان، ولواقع الأعمال وما تنتهجه بخصوص الوقت كثقافة، والسلوك المرافق، خصوصا الواقع التربوي، والاستاذ نموذجا.

يستيقظ المعلم في وقت معين صباحا، ويسرع في تجهيز نفسه وينطلق. يستخدم في التنقل سيارته الخاصة، او النقل المدرسي في غياب النقل العام المناسب إن ماديا او لوجستيا. يعمد المعلم إلى احتساب الوقت الذي تستغرقه الطريق إلى بإضافة اقله عشرين دقيقة، لما يمكن ان يعترضه من زحمة سير او معرقلات طارئة لما لموضوع الإزدحام والطرقات والبنى التحتية من مساوئ ومشاكل تتفاقم على عدد الايام والفصول والساعات. يصل المعلم إلى دوامه، بضغوطات من بدء النهار نتيجة الطريق، يبدأ نهاره وحصصه ويعمل حتى نهاية الدوام.

تطالعك المدارس اللبنانية، بالكثير من المهام، بحيث تبادر المدرسة إلى الاستعانة بالمعلم في أوقات راحته لإنجاز مهام إضافية. وقد يصل الأمر إلى طلب البقاء لاجتماع معين بعد الدوام، لا يكون قد تبلغ به إلا في نفس اليوم او في اليوم الذي سبق غالبا، ما يبقيه في حالة استنفار دائمة، لا يتحكم فيها باوقاته لمشاغل او اعمال أخرى.

وأما المستجد الذي طرأ بعد جائحة كورونا والتعليم عن بُعد، فقد اعتمد الأهل على التواصل مع المعلمين والإداريين عبر ارقامهم الشخصية، وفي اوقات تناسب الاهل، ما جعل وقت الأستاذ الخاص مستباحا والذي من الممكن ان يكون مخصصا لعائلته ولراحته. وفي بلاد يغلب عليها التحكم السلطوي العملي، يضطر المعلم إلى التجاوب مع اتصالات ذوي الطلاب، ومرات كثيرة تكون الأمور غير مستعجلة، ومن الممكن جدا كان تأجيلها وبحثها خلال الدوام.

وإذا تجوّلت في أروقة المدارس، لرأيت كما في غيرها من المؤسسات، غرف الإنتظار ملآى، بحيث يتم إعطاء مواعيد لأهل او معلمين، ويتأخر المدير او المنسق في الوصول، ويمضي الأشخاص المعنيون اوقاتا طويلة من الإنتظار الغير المبرر.

كل ذلك يضع المعلم امام ضغط نفسي صعب، يطلب منه فيه احترام مواعيد التدريس واوقات العمل، ولا يحترم وقته ولا أحقيته في الاستفادة من وقته الخاص كما يريد ويحب. ولعل هذا الموضوع يزيد استفحالا وتراكما، فيولد نقمة داخل الاشخاص وتعبا ومعاناة، تؤثر على وضعهم النفسي، وبالتالي على عطائهم واندفاعهم في العمل.

هذه العينة من المجتمع، تمثل واقع المعلمين في مجال التربية وتنطبق على معظم القطاعات، وعلى السلوك المجتمعي برمته، في واقع من التسويف والإهمال، يبدأ بالدولة ومؤسساتها وينتهي بالعائلات والافراد.

الأكثر قراءة

الام أسفل الظهر... كيف يمكن التخلص منها؟