اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

الايرانيون، باللغة الطوباوية اياها، يرون أن الخلاص من الأزمات، والنزاعات، والآفاق المقفلة، التي تعاني منها المنطقة، ربما منذ قايين وهابيل، هو في الخروج الأميركي. اذ ذاك، وبين ليلة وضحاها، الانتقال من ضوضاء الدم، وضوضاء الكراهيات، وضوضاء القهر (والقهقرى) الى صناعة الأزمنة، وصناعة الأجيال، وحتى... صناعة الحياة !

وليم كريستول كان قد علّق، منذ سنوات، على كلام مماثل بالقول "... يحدث ذلك لدى العودة من البوينغ الى الناقة، أو لدى الهجرة من الأرض الى المريخ".

في هذه الحال، من يملأ الفراغ؟ حين أطلق جون فوستر دالاس، عام 1957، "مبدأ ايزنهاور" لملء الفراغ الذي أعقب الغروب البريطاني، والفرنسي، على ضفاف السويس، وبدأت "النقطة الرابعة" بتوزيع أكياس الطحين علينا، باعتبارنا الأكياس الفارغة، لم يسأل أي سياسي، أو أي مثقف، عربي، ما معنى، أو ما مفهوم، الفراغ في اللغة الأميركية، ما دامت هناك دول وحكومات وجيوش وأجهزة استخبارات تتعقب حتى الملائكة...

هكذا تعايشنا، على مدى عقود، مع ذلك المصطلح الملتبس، وتحت شعار الحيلولة دون الشيوعية وغزو مجتمعاتنا، دون أن ندري لماذا بقيت الأساطيل تحرس حتى غرف نومنا التي من دون جدران، بالرغم من موت الماركسية، وتفكك الأمبراطورية السوفياتية.

نستذكر قول السناتور جون ماكين "اذا خرجنا، وقد نخرج ذات يوم، من يحول دون دول المحيط، وحيث التقاطع الجيوسياسي، والجيوستراتيجي، بين الايديولوجيا والتاريخ؟" والاستيلاء على المنطقة. لعل السؤال الدرامي هو "من يحول دون العرب وأن يأكلوا العرب"، بعدما ترجمنا قول توماس هوبز "الجميع ذئاب الجميع" بـ "العرب ذئاب العرب"؟

نعلم أي دور للأمبراطورية في جعلنا رهينة الاجترار القبلي، والاجترار الطائفي، بكل تداعياته على الايقاع السوسيولوجي لمجتمعاتنا، لنبقى هكذا، ان بمضارب الخيام، أو بالأبراج العالية، على مسافة ضوئية من ديناميكية القرن. لا مداخن بل مآذن. لا علماء في التكنولوجيا بل علماء في الفقه الذي ربما أوصلنا الى ما وصلنا اليه من التشتت والافتراق.

واذا كان الأميركيون قد نشروا، في أصقاع الدنيا، أسلوب حياة (Lifestyle)، أو فلسفة

حياة، فهمنا أن علينا أن تبقى أطباق الهوت دوغ على المائدة الدولية. لتؤكد نظرية "ملء الفراغ" أننا، في الرؤية، والرؤيا، الأميركية، لا شيء في خارطة العالم.

هذه، أيضاً، رؤية الدول المركزية في الاقليم لنا. واذا كان الأميركيون قد ورثوا التركة الأوروبية، ألا تراهن قيادات اقليمية على وراثة التركة الأميركية؟

بلهجة غاضبة قال محمد أركون "لكأننا الخطيئة الأصلية في هذا العالم"، مستعيداً، كأمثولة فلسفية ووجودية، قول عالم اللاهوت الشهير تيار دو شاردان، الذي أتهمه بعض الكرادلة بتقويض عقيدة الخطيئة الأصلية، باعادة تشكيل الله، واعادة تشكيل الانسان، في الداخل البشري بعدما "حاولنا، ونحاول، في لعبة الأسواق، وفي لعبة الأنانيات، احلال لاهوت الحطام، أو لاهوت العدم، محل لاهوت الحياة"...

أركون الذي قال "قبل الدعوة الى اخراج أميركا من ديارنا، علينا اخراج الشيطان من يومياتنا بعدما استوطن، بما يشبه القداسة، في دورتنا الدموية" !

كيف لتلك الشظايا البشرية، ونحن جزء منها، ونكاد نسلّم مفاتيح منازلنا، ومفاتيح حياتنا، لاسرائيل، أن تراهن على الخروج الأميركي؟ ألا يفاوض الايرانيون أنفسهم الأميركيين، وان من وراء الزجاج، حول برنامجهم النووي الذي يفترض أن يبقى خارج أي صفقة، أو خارج اللعبة الديبلوماسية التي بألف وجه ووجه؟

بطبيعة الحال، المؤسسة الايرانية التي هي طرف في وصولنا الى ما وصلنا اليه، لا يمكن أن تكون بالفاعلية الأخطبوطية للمؤسسة الاسرائيلية التي اغتالت جون كنيدي حين قرر ايفاد بعثة للتفتيش على مفاعل ديمونا.

في نقاش مسائي مع أحد نوابنا، وصف أميركا بـ "الأمبراطورية الكرتونية"، لكأننا لسنا صناديق الكرتون الفارغة التي لا ندري بما نملؤها. قولنا... من الرمال والى الرمال نعود!!

الأكثر قراءة

مصدر كنسي لـ «الديار»: الفاتيكان يتوسّط لدى واشنطن وباريس لحل أزمة الرئاسة «الثنائي» يفشل بفتح دروب «البياضة» و«معراب» و«المختارة» في اتجاه «بنشعي»... «القوات»: لا نساوم أكثر من مليار دولار ستدخل لبنان مع توافد المغتربين لتمضية عيدَيِ الميلاد ورأس السنة المسيحية