اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

"تيك توك" وسيلة التواصل الاجتماعي الأكثر رواجا اليوم، تجتاح الأعمار على اختلافها، البيئات الاجتماعية والثقافات المختلفة، في قالب يغطي مواضيع قد تخطر ببالك وقد لا. تثير هذه الوسيلة مؤخرا العديد من علامات الاستفهام والاستغراب، ولكنها جاذبة بشدة حتى لمنتقديها، فماذا في محتواها، وما هي سلبياتها وايجابياتها على العقول والنفوس والقلوب؟

ينتشر "التيك توك" حول العالم بمحتوى يطال مجتمعات متفرقة وثقافات متفرقة ، وأبرز ميزاته الجاذبة، هي بأن مستخدميه ينالون جوائز رقمية بحسب محتوى ومضمون ما يقدمون، ويمكنهم تجميعها وتبديلها بعملة صعبة في أماكن مخصصة لتبديل هذه العملات.

فترى الكل في سباق لتحقيق المدخول الأكبر، في منافسة مع الذات والقدرات ومع الآخرين، لتقديم قالب مشوق يجذب المتابعين والمعجبين، وبالتالي الهدايا الرقمية فالمال. وبالفعل فلقد حقق أشخاص عديديون مبالغ غير قليلة من مجرد محتوى بالصوت والصورة يضعونه على "تيك توك" فينال الاعجاب.

ففي لبنان مثلا ، وفي واقعه الاقتصادي الهش، وتدني قيمة العملة فيه، وتفشي البطالة، وتدني الرواتب وانعدام الأفق وفرص العمل ، يعتبر "التيك توك" الطريق الأسهل على الاطلاق التي التي يعتمدها الاشخاص .

طبعا تشكل الشهرة هدفا لا يقل عن الربح المادي، وخاصة لمجموع المؤثرين او الممثلين او الفنانين والتجار والأطباء والمفكرين والباحثين وحتى المشعوذين والواعظين... فيمثل "التيك توك" مسرحا يطلقون فيه انفسهم ويصلون عبره إلى جماهير عريضة تتابعهم وتتفاعل معهم وتعود عليهم بالربح المادي والمعنوي.

الايجابيات

يمثل "التيك توك" بقعة ترفيه ومصدرا للفكاهة والضحك والتمويه عن الذات. إذ يمتلئ بقالب ومحتوى مليء بالنكات والطرائف والمسرحيات الهزلية القصيرة، التي غالبا ما تتناول واقع الحال بسخرية وفكاهة.

نادرا ما تجد متابعا لـ "تيك توك" إلا وتراه غارقا في الضحك، يعيد في المشاهد ويضحك مليا ويشاركها لتصبح "ترند"، حيث يعمد جمهور عريض بعده إلى تقليده لاضافة المحتوى بالضحك كذلك.

لا شك بأن الابتسامة مهمة والضحك ترفيه للروح ومصدر راحة، لا بل علاج رائع لكل الضيق والتعب الذي يميز العالم الحالي بكل ما فيه، لذا تجد الغالبية يفتحون من واقعهم المتعثر نافذة "التيك توك" ، ينفصلون عن همومهم ويغرقون في عالم آخر من الفكاهة.

ورغم أن هذا الجانب بالذات ذو وجهين، إلا أنه مسرحا ومنبرا يقدم مجموعة كبيرة من المعلومات ، لا سيما للكثيرين ممن يتقنون ثقافات وعلوم ممتعة في علم الطاقة وعلم النفس والصحة والطب والتجميل والفنون المختلفة. ما يجعل المادة المقدمة مليئة بالقيمة" أحيانا" ، فتترك لدى المتابع ذخرا معلوماتيا هائلا قد تقدمه الكتب أو الوسائل الأخرى ،غير أن طريقة المحتوى والتقديم تجعله سهل الحفظ ، مؤثرا ومميزا.

موقع تجاري تسويقي متميز

يشكل "التيك توك" بمساحته الجاذبة موقعا يعتمده البعض للدعاية والتسويق والتجارة والإعلان. لا شك بأنه في كل محتوياته مصدر للربح وجني المال، وذلك بحسب نسبة التفاعل والمتابعين، ولكنه يعطي فكرة واضحة بالصوت والصورة والمؤثرات والعرض عن سلع مختلفة وتقديمات وخدمات ومهن مختلفة، ما يجعل المستخدم يحقق ازدهارا في العمل او التجارة او المهنة التي يعمل فيها. ثم أنه مساحة يضاء فيها على مهن وسلع وحرف مغمورة تتمكن عبر هذه المنصة من الخروج إلى الضوء وتصيب في مرات كثيرة شهرة وأرباحا.

السلبيات

لا شك بان هامش السلبيات موجود كما الايجابيات، ولكنه يزاحمها ويفوقها أحيانا بشكل كبير لتكاد السلبيات تكون مدمرة وشديدة الوقع، وعلى الأرجح ان تفاقمها يزداد حين تتراكم أكثر.

- الخداع البصري والتجميل "المفلتر": بمجرد أن تستعين بإحدى "الفلاتر" الموجودة على "تيك توك" حتى تصاب بالادمان لشدة التجميل الذي يتركه على الوجه، او الجسم حتى ، ويصبح إدمانا كاملا لا يظهر فيه الاشخاص إلا أنقياء البشرة مع اضافات مساحيق التجميل من أحمر خدود إلى أحمر شفاه وكحل وغير ذلك، إضافة إلى وجه مشدود وكأنه خضع لغير حقنة من "الفيلر" و"البوتوكس" او لعملية شد كاملة، يضاف إليها لون العينين والشعر والقد الممشوق وما إلى ذلك.

فانت حين ترى الوجوه على "التيك توك"، تراها مختلفة بشكل كامل في الحقيقة، وحتى الاشخاص أنفسهم يبالغون في استخدام "الفيلتر" لما يعطيهم من جمالية وثقة بالنفس تغيب عن الحقيقة وتصطدم بالواقع، وهذا ما يجعل الكثيرين يميلون إلى هذا النوع من التواصل ، بحيث يبنون اعتدادا بالنفس ولو كان "فلترا". وهذا ما يؤدي في كثير من الاحيان ألى عزلة تامة يعتمدها البعض ويغيبون فيها عن العالم الواقعي، فيطلون على عبر نافذة موقع التواصل لما يجدونه من اعجاب وقبول لاشكالهم ووجوههم " المفلترة"، وهو ما يناقض الواقع تماما.

- الخداع الفكري الخطر: لعل الأخطر من الخذاع البصري هو الخداع الفكري. فـ "التيك توك" يقدم منصة تسمح للكل دون قيود من تقديم مادة مهما كانت، دون الاضطرار إلى الخبرة أو المعرفة او المساءلة حتى.

فترى معلومات نفسية وطبية تقدم في قالب مشوق ترافقه الموسيقى والمؤثرات، فيعتمده المشاهد كحقيقة، يمتصها وعيه بسرعة، ولكن المفارقة أنه كما تقدم معلومات صحيحة، يغص "التيك توك" بمعلومات مغلوطة تقع على عقول الشبان والاطفال وحتى كبار السن. فالاطار الجاذب يجعل المعلومة قريبة إلى العقل والتصديق، وغالبا ما تترك شكا واضطرابا  وتناقضا بين احساس الفرد ومعلوماته ومسلماته، وبين ما يصله، فيأخذه التأثير بين النكران والتصديق ، ومهما كان محللا وواعيا يترك الوقع في نفسه أثرا كبيرا، فكيف بالمتلقي السلبي.

يتناول البعض قضايا اجتماعية بطريقة جريئة، واحيانا بطريقة مبتذلة وكلام تافه وسفيه، وأحيانا أخرى بطريقة منمقة تتسرب عبره معلومة مرفوضة، لتصبح هي وما سبق سرده أمرا معتادا بعد ان كان مرفوضا، ليتطور ويصبح مقبولا، وليصبح بعدها البديل للمبدأ والواقع والمقاربات كلها.وهنا يقرع جرس الانذار الاجتماعي الخطر الذي يستبيح المجتمعات بمكوناته، لينحتها تحت مسمى التحرر والانفتاح والمادة و"الترند"، ويحولها مسخا من المغالطات والتفاهة في قالب شديد التشوه  تفرضه العادة والتعود واقعا .

- الواقع الاجتماعي الهزلي والرادع صفر: لا شك بان شبكات التواصل بغالبيتها ما أنشئت لتكرس التجارة وتقريب المسافات والقرية الكونية فقط، بل لقد وقف وراء المحتوى هدف او اهداف كبرى، يراد من خلالها السيطرة على العقول عبر السيطرة على الأحلام والشعور والتحفيز المادي، ما يجعل ضخ المعلومات لقولبة المجتمعات وخرق ثقافاتها أمرا في غاية السهولة، يصار بعدها إلى سوق مجتمع بأكمله بزر واحد وجملة وبضع مؤثرات ضوئية صوتية ورشة عملة.

- تمدن وتطور ولكن: يطالعك البعض ليقول بان المحتوى عصري متمدن، وهل هذا هو التمدن؟ هل بات الاشخاص ساذجين لدرجة ان يغوصوا تحت عمق الحضيض ليقطفوا من التمدن قشوره. إن التقليد والتمثل بالمجتمعات العصرية والسباقة، لا يكون بانتقاء القشور وترك اللب. فكيف إذا كان اللب مهترئا. يخطئ الكثيرون في مقاربة التمدن الذي يسوقه الاعلام ووسائل التواصل، ولكن الحقيقة أن الترويج المعتمد هو قولبة للخطأ في لباس الصواب، والجهل في لباس المعرفة وغير المقبول على الاصعدة الاجتماعية والنفسية والصحية و.... في لباس المقبول. هذا ما يطرح سؤالا مشروعا: كيف تقاوم كل هذه الفوضى الخلاقة وكل هذه المغلوطات؟ وكيف تحرر العقول من احتلالات تمددت فيها، والكل يعلم ان كسر احتلال العقل من أصعب الحروب على الاطلاق.

ما بين الإيجاب والسلب تغلب كفة السلبيات، التي يمكن تداركها بالتحصين. فلا شك أمام واقع غزته التكنولوجيا و المستقبل يعد بالمزيد من الافتراض، فماذا بعد؟