اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في عام 2020، سحبت فرانسيس آرنولد، العالمة الحاصلة على جائزة نوبل في الكيمياء، بحثها من مجلة science العالمية والعريقة، ثم قدمت اعتذاراً معللة السبب الى فشل فريق عملها في إعادة نتائج الدراسة، وان البيانات التي قدمتها كانت ناقصة، ولم تؤد عملها كما يجب.

عندما قرأت هذه القصة عن العالمة آرنولد، توارد الى ذهني بشكل سريع صورة عن واقع العلم واخلاقياته في مجتمعنا الذي يعوم على بحر من الالقاب والمسميات والادعاءات العلمية، بينما هو في حقيقة الامر غارق في قاع من التزوير والانتحال والكذب العلمي، في حين ان التصرف الذي قامت به العالمة آرنولد يعكس روح الامانة العلمية واخلاقيات البحث العلمي لديها، وان كل ادعاء علمي يجب ان يكون مقروناً بدليل دامغ وصادق، وأن الالقاب مهما بلغت رفعتها، لا يعني تجاهل اصحابها لأخطاء قد يقعون بها في مسيرتهم المهنية والعلمية.

تجاوز اخلاقيات العلم والبحث العلمي عبر التزوير والكذب والانتحال والادعاء والسرقات ظاهرة قديمة عالمياً، ولكن يزداد تفاقمها سنوياً في ظل التقدم والتطور العلمي والتكنولوجي السريع الذي يشهده العالم لأسباب عديدة، اما من خلال أفراد، او جمعيات، وحتى دول. وهي لا تقتصر على سرقة بحث من هنا او ترجمة اطروحة من هناك ونسبها للذات، او تبني نتائج بحثية غير دقيقة ووهمية، وانما يتجاوز الامر هذا الحد بشكل كبير وصولاً الى ادعاءات واكاذيب علمية قد تفوق الخيال ومنها ما قد يلحق الضرر بالمجتمعات البشرية بشكل كبير. فتاريخ الكذب والانتحال والتزوير العلمي سلسلة طويلة من القصص التي لا تنتهي، نذكر منها كذبة "بيلت داون" التي انتشرت لمدة اربعين عاماً عن اكتشاف الحلقة المفقودة بين القرد والانسان لإثبات نظرية داروين، او كذبة "بونز وفلايشمان" في ادعاء الوصول الى الطاقة الهيدروجينية بطريقة الاندماج البارد، الى جانب السرقات العلمية التي تعرض لها العالم الصربي " تيسلا " من طريق اخرين ادعوا حيازتهم لاختراعاته التي سميت بأسمائهم حتى يومنا هذا، وغيرها الكثير من القصص والادعاءات الكاذبة لا سيما المتعلقة بنتائج بحثية.

في لبنان، تزداد ظاهرة التزوير والادعاء والانتحال العلمي بشكل لافت خلال السنوات الاخيرة، اذ ان ما نرصده وما نلاحظه من انماط سلوكية لأشخاص ترتبط بهذه الظاهرة، تجاوز كل معروف ومألوف حتى بتنا عاجزين عن تعداد الانجازات العلمية والابتكارية الوهمية وفقاً لما يتم استعراضه على وسائل التواصل والاعلام يومياً، في وقت يشهد لبنان، خصوصاً في ظل التردي الاقتصادي والمالي والمؤسساتي الذي يعيشه، تراجعاً ملحوظاً على مستوى تصنيفه الابتكاري العالمي وفقاً لمنظمة الويبو WIPوتأخراً تعليمياً عميقاً كما تظهره تقارير تعليم دولية كتيمس TIMSS وبيزا PISA وتقارير البنك الدولي، او وفقاً للتصنيفات العالمية الدقيقة والعلمية للجامعات، وليس التصنيفات التجارية او الدعائية التي تستعرضها بعض الجامعات اعلامياً وعبر وسائل التواصل للتعظيم من مكانتها وامكاناتها زوراً وكذباً بشكل مغاير لحقيقة واقعها.

قد تكون قضية الشاب "علي الهادي طليس" التي أثيرت في الأيام الأخيرة حول قيامه بتزوير شهادات عالمية وإدعائه حيازة القاب علمية عالية قد خرجت الى الضوء نتيجة متابعتها وتقصي صحتها، وهي بطبيعة الحال قضية تعكس ازمة سيكولوجية (نفسية) وسوسيولوجية (اجتماعية) عميقة متجذرة في بنية المجتمع اللبناني الذي نعيشه في ظل استفحال ظواهر الانتحال العلمي والأكاديمي والتي تتفشى نتيجةً لاضطراب عام في المجتمع او ما يعرف في علم الاجتماع بظاهرة "فقدان َالمعايير" التي تنتج من معاناة افراد المجتمعات من أزمات اقتصادية ونفسية واجتماعية وصحية مؤثرة، وذلك في سبيل حيازة لقب هنا او تقدير ومنصب هناك. واللافت اكثر في قضية الشاب طليس، ان بعض ممن كانوا يتنمرون عليه ويجهدون على وسائل التواصل للتصويب على عدم حقيقة انجازاته و تزويره للشهادات، ويسعون بشكل دؤوب للكشف عن كذب ادعاءاته، هم انفسهم من منتحلي الالقاب العلمية او مدعي الإنجازات الابتكارية الوهمية، حيث يعكس هذا التصرف أيضاً عن وجود ازمة اكثر عمقاً من التزوير نفسه، لان المنطق يفترض ان ما حصل من كشف للحقائق يجب ان يشكل دعوة تلقائية للبعض من اجل مراجعة الذات حيال ممارستهم الانتحال او التزوير العلمي، وليس ممارسة المحاكمة وهم في موضع التهمة، لأن حقيقة الامور تشي وتؤكد عن وجود الاف حالات الانتحال والتزوير العلمي في لبنان، مع فارق انه لم يتم، ولأسباب مختلفة، التقصي والكشف للعَلن عن حقيقة أصحابها الذين يعيشون مجد بطولاتهم والقابهم الوهمية والكاذبة اعلامياً واجتماعياً واكاديمياً حتى بلغوا من المراتب والمناصب السياسية والأكاديمية ما لم يستطع الوصول اليه متعلمون واكفاء حقيقيون وجديرون كثر، وما يتم كشفه لا يمثل سوى جزء بسيط من قمة جبل الجليد الذي يختفي 90% منه تحث سطح الحقيقة.

لا شك أن للتزوير او للانتحال العلمي أسباب سيكولوجية وسيسيولوجية متعددة، منها ما يرتبط بالطموح الشخصي الجارف لكل المبادئ والاخلاقيات العلمية من اجل الارتقاء للنجاح الذي حققه اخرون أو في محاولة لإثبات الذات وكسب المكانة الاجتماعية والوظيفية، او بسبب التنشئة التربوية غير السلمية والمعاناة من مشكلات نفسية واجتماعية واقتصادية، تجعل المنتحل او المزور لا يرى عيباً في الكذب او الغش او الادعاء وفي سرقة مجهود غيره.

على سبيل المثال، واحدة من أبرز الظواهر او العقد التي يعاني منه كثر في لبنان والتي تدفعهم الى السعي وراء الانتحال العلمي، هي ازمة لقب الدكتوراه، أو ما أرغب بتسميته عقدة "داء الدال" (د.) لدى شريحة واسعة من المتعلمين أو مدّعي العلم. والدكتوراه، بطبيعة الحال، هي شهادة تعني ان صاحبها اصبح باستطاعته انجاز بحث ما دون الاستعانة بمشرف يتابعه، وبالتالي قدرته على القيام بإنتاج معرفي في مجال تخصصه وحيازته الاهلية العلمية لمساعدة الباحثين الناشئين في الجامعات لامتلاك مهارات البحث العلمي ومعارفه في مجال علمي محدد، ولا تعني بالضرورة ان حائزها اصبح فهيماً بكل مشارب العلم واغواره، اذ ان حيازة دكتوراه في فرع من الفيزياء لا تعني ان صاحبها اصبح باحثاً في الفروع الاخرى، او باحثاً وناقداً في التربية والسياسة وجغرافيات العولمة والعلاقات الدولية والاستراتيجية، او في اي مجال لا يرتبط بما قام بمعالجته في بحثه الدكتورالي. ولكن ما نشاهده على وسائل الاعلام ووسائل التواصل من قيام اشخاص كثر بإسناد القابٍ لأنفسهم خارج سياق تخصصهم انما يعد انتحالاً لصفة علمية ينبغي المحاسبة عليها، خصوصاً ان هذه الظاهرة تتفاقم بشكل كبير في ظل غياب اي روادع قانونية. وما تصرف الشاب طليس في تزويره او ادعاءاته الا محاولة منه لركوب موجة موجودة لمس انها تكبر في بلده وتوصل محظيين او مزورين كثر الى شواطئ التنعم والمجد والشهرة السريعة. وكل ذلك مرده الى أن العادات الاجتماعية التي تقوم على تمجيد وتقديس الالقاب والانساب، دفعت اشخاصا كثرا الى السعي وراء حيازة الالقاب والمسميات الوهمية الهلامية المنتشرة كالفطريات (مستشار، سفير، خبير، دكتوراه فخرية .....) بطرق ملتوية كثيرة، والتي تقوم بتوزيعها جمعيات ومراكز وصالونات ومنتديات ثقافية ومنها مقابل مبلغ وضيع من المال، وقد ذهب كثر الى أبعد من ذلك من خلال شراء شهادات دكتوراه عبر جهات ودول اجنبية دون ان يتم التأكد من حقيقتها او من اهلية اصحابها لحيازتها.

ومن الأسباب التي شجعت كثرا على التجرؤ على الانتحال والتزوير العلمي الى جانب غياب رقابة الدولة والقوانين الرادعة هي وسائل الاعلام ووسائل التواصل التي تتبنى وتتناقل الاخبار لا سيما العلمية دون تمحيص او تدقيق في صحتها، وكذلك ضعف رقابة اصحاب الكفاءات العلمية وغياب القراءات النقدية لديهم، حيث نشهد على وسائل التواصل ان طائفة كبيرة من النخب العلمية والثقافية، ولأسباب مختلفة، تسوّق وتروج بنفسها لما يقوم به المزورون ومنتحلو الصفات والمسميات العلمية وذلك من خلال مدحهم او مشاركة منشوراتهم والتأييد لما يقومون بنشره من شهادات او اعمال او انجازات وهمية، ومن دون ان يتكلفوا عناء التأكد من صحة ما يتم نشره او الترويج له أو أقله القيام بقراءة نقدية منطقية وعلمية لما يتم ادعائه. فكيف نبرر لأصحاب الكفاءات العلمية سقوطها في فخ تأييد ادعاءات شاب لم يبلغ العشرين من عمره بكل هذه الانجازات والمسميات والاختراعات الابداعية والابتكارية التي تحتاج اقله الى بيئة علمية حاضنة متطورة جداً ومكتملة التجهيز من مختبرات واجهزة وكهرباء دائمة فضلاً عن المعرفة العلمية والمنهجية العالية المرتبطة بها والكلفة المالية الكبيرة لانجازها بينما هو يعيش في بلدة نائية تعاني الحرمان ولا تتوافر فيها ادني مقومات البيئة العلمية والاقتصادية والمعيشية التي تسمح للقيام بأبسط الابتكارات او الصناعات، وهذا ان دل، فانه يشير الى فقدان التفكير النقدي العلمي والموضوعي عند من يجب عليهم ان يكونوا في مقدمة الجبهة التى تصون قدسية العلم وتكون في خط المواجهة لكل من تسول له نفسه تجاوز مبادئ العلم وشرعة اخلاقياته. وبالتالي يشير غياب القراءة العلمية النقدية الى ان وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام قد نجحت في تكريس ظاهرة "التكتل او التجمع" من خلال الحاق "النخب العلمية والثقافية" بتجمع او تكتل القطيع الذي يصفق وينشر ويروج ويبارك ويهلل ويجامل دون وعي ونقد وتفكير.

ليس المقصود في ما اقوم بكتابته هو التصويب على فرد محدد، ربما أجد فيه شخصية طموحة لم تجد البيئة الحاضنة والداعمة لها لكي تثبت وجودها وامكاناتها، وهو ضحية مجتمع وبلد انقلبت فيه معايير القيم، واستشرى فيه الفساد والزبونية والوصولية والتذاكي على حساب الاستحقاق والجدارة، الامر الذي اضطره كما كثر الى سلوك طرق ملتوية غير مقبولة وغير مبررة في نظام مجتمعي مزيف يقوم على الاستهلاك والاستعراض والفرجة.

أن مواجهة ظواهر الانتحال والتزوير والادعاء العلمي يجب ان لا تقتصر على وضع القوانين الرادعة وانشاء مجالس خاصة لحوكمة الأبحاث العلمية والابتكارات وإقرار القوانين والمراسيم التطبيقية لشرعة المبادئ الأخلاقية للعلم والتي تتناول الممارسات غير المسؤولة علمياً كالانتحال والتزوير واختلاق النتائج ومخالفة مبادئ الملكية الفكرية فحسب، وانما يجب أيضا ان تقوم الدولة بتهيئة البيئة اللازمة للمبتكرين الصغار من أصحاب القدرات العلمية عبر إنشاء حاضنات الابتكار ومحطات المعرفة والمختبرات اللازمة، وخلق نظام وطني للابداع والابتكار ضمن إجراءات تشريعية وقانونية، ومالية، وبشرية، ومؤسسية فاعلة بالتعاون مع الجمعيات والنقابات الخاصة بالابتكار، وذلك من أجل الكشف عن المبتكرين الصغار ومساعدتهم واحتضانهم وتقديم الدعم اللازم لهم وتوجيههم، كيلا يدفعهم الإهمال الرسمي والظروف القاهرة الى اتباع طرق ملتوية بعيدة عن الشفافية والنزاهة والأمانة بطريقة مقصودة او غير مقصودة في سبيل الإضاءة ولفت النظر على ما يقومون بإنجازه. كما ينبغي على أصحاب الكفاءات العلمية ان يمارسوا دورهم النقدي العلمي، وان يكونوا في خط المواجهة للدفاع عن قدسية العلم من خلال التقصي والكشف عن حالات الانتحال والتزوير والكذب العلمي التي تعكس صورة عن السقوط الأخلاقي والقيمي في المجتمع وضياع الوطن.