اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لا مقارنة بين لقاء جو بايدن وايمانويل ماكرون في البيت الأبيض ولقاء جورج دبليو بوش وجاك شيراك في النورماندي، يوم 5 حزيران 2004، أي في الذكرى الستين للانزال الذي أدى الى تحرير فرنسا من الاحتلال النازي ليحل محله، بشكل أو بآخر، الاحتلال الأميركي.

آنذاك، كان بين الاثنين الرئيس رفيق الحريري. وكنا نظن، لفترة طويلة، أن الرئيس الفرنسي هو صاحب المبادرة نحو قرار مجلس الأمن 1559 الى أن راحت الخفايا تظهر، تباعاً، للعلن.

في الرياض أحيط الرئيس الحريري علماً بأن ديك تشيني، نائب الرئيس الأميركي، وكان الرئيس الفعلي، أبلغ السفير السعودي الأمير بندر بن سلطان بتبني خطة انهاء بشار الأسد فور انهاء صدام حسين. وكان زعيم تيار المستقبل قد بات يضيق ذرعاً بالوجود السوري.

الحجة كانت اعاقة مشاريعه، وكذلك «النفخ في رأس الرئيس اميل لحود»، بعدما كان قد قال للسفير السوري في مدريد محسن بلال (ونقل اليّ ذلك شخصياً حين تولى وزارة الاعلام) ان لديه ثلاثة مقدسات: الاسلام، والعروبة، وبيت الأسد!

زادت في حدة الموقف فظاظة رستم غزالي الذي تعامل، بشخصيته الضحلة، والقبلية، والفرويدية، بمنتهى القسوة مع رئيس الحكومة السابق. لم يكن بالرجل المناسب في المكان المناسب، وأتصور أنني أعلم من كان وراء اسناد الموقع اليه، ومن ورّط دمشق في أكثر من مأزق كان بالامكان تفاديها، ولكن...

في ذلك الحين علمت من جهة خليجية عليا بتفاصيل تلك الصفقة، ونقلت ما سمعت الى مسؤول سوري كبير ومقرب من الرئيس الأسد. وكانت هناك أجهزة استخبارات غربية، وعربية، تعتقد أن عودة القوات السورية الى بلادها سيزعزع النظام هناك، فيما كان الرهان على دور داخلي للثلاثي عبدالحليم خدام ـ حكمت الشهابي ـ غازي كنعان، لما له من تأثير في قطاعات عسكرية وأمنية وما شاكل...

لا داعي لاستعادة تفاصيل السياسات الحمقاء لادارة بوش الابن، وسقوط هذه الادارة في الأتون العراقي. قمة واشنطن مختلفة، في الظروف، وفي الرؤى، عن قمة النورماندي. ماكرون أكثر تعقلاً من أن يقترح على مضيفه أي خطوة سلبية ضد «حزب الله».

وحتى لو حصل الرئيس الفرنسي على ضوء أخضر أميركي لمعالجة الأزمة الدستورية في لبنان، ثمة اعتقاد في باريس بأن المشكلة هي في الصراع السعودي ـ الايراني. لا رئيس في لبنان قبل حلول تلك «اللحظة الالهية» التي تلتقي فيها الرياض مع طهران.

الفرنسيون يدركون مدى الحساسية التاريخية، والايديولوجية، لذلك الصراع. لا يتصورون نهاية، أو حتى هدنة، وشيكة له. اذ اعتادوا التعامل مع «الرؤوس اليابسة» في ايران، يشتكون ليس فقط من غموض الموقف السعودي، بل، وأيضاً، من اللامبالاة (المقصودة) بالاندفاعة الفرنسية، وان كان هناك توافق مبدئي على العماد جوزف عون. وقد تكون هذه المسألة بالذات البند اللبناني في جدول أعمال القمة.

الأميركيون يتعاملون مع الجيش اللبناني كـ»وديعة مقدسة» قد تكون، في لحظة ما، خشبة الخلاص من أي قوة عسكرية موازية. «حزب الله» قال، بالفم الملآن، «لا فيتو على الجنرال». الفرنسيون الذين «لا بد» أن يتواصلوا مع الضاحية عقب عودة ماكرون، ينتظرون تتمة للعبارة.

هذه قصة ترتبط بتفاصيل كثيرة، متشابكة، ومعقدة، وذات صلة بالسياسات الأميركية حيال لبنان من خلال الحزب، وحيال الحزب من خلال لبنان. لا حاجة للغوص أكثر. ولكن هل يراهن الرئيس الفرنسي على مرونة ما في الموقف الأميركي، بعدما كانت السفيرة دوروثي شيا، قد ألمحت الى بعد براغماتي في أداء «حزب الله»؟

لبنان قائم على المستحيلات، مثلما هو قائم على التسويات. المستحيل ـ الممكن الذي نظّر له كليمنت ميترنيخ، خلال انعقاد مؤتمر فيينا عام 1815. وكانت أطروحة الدكتوراه لهنري كيسنجر حول المستشار النمساوي. لكنه رفض وصف البعض له بـ «ميترنيخ القرن العشرين». قال...» بل ميترنيخ كيسنجر القرن التاسع عشر»!

بحثاً عن ميترنيخ آخر للمستحيل ـ الممكن اللبناني... 

الأكثر قراءة

الأسد استقبل الوفد اللبناني... وميقاتي تجاوب مع موقف «الثنائي» بكسر قانون قيصر «الإشتراكي» يتبنّى العماد جوزاف عون في جولاته... وخلاف سعودي ــ أميركي مع بقيّة الأطراف حول حزب الله المعالجات الحكوميّة للأزمات الإجتماعية على «الورق»... وتشكيك بإجراء الإنتخابات البلديّة