اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

هو من قال «لا تدعوا تيمورلنك يدخل ثانية الى دمشق». رثى لأحوال أولئك الذين أنشأوا أرقى المدن في الأندلس، وكانوا يعيّنون أباطرة الصين، وقد تحولوا الى كثبان رملية وتذروها الرياح، صارخاً في وجه العرب «اخرجوا من هذه المتاهة قبل فوات الأوان»!

المستعرب الفرنسي أندريه ميكيل رحل منذ أيام، حزيناً من أجلنا، حين نتبعثر عند أي مفترق طرق، لنضيع على قارعة الزمن. قال «لو قيّض لكم رجل بمواصفات الخليفة المأمون، ابن هارون الرشيد، لسبقتم الأميركيين في الهبوط على سطح القمر»، مستغرباً كيف أن الذين أنتجوا قيس بن الملوّح، بلوعة القلب وبعظمة القلب، يمكن أن يظهر بينهم حملة السواطير (بالمناسبة، نقل أشعار مجنون ليلى الى الفرنسية).

ميكيل الذي أفتتن بالحلاج في «وضوء الدم»، وبابن المقفع الذي في نظره، استنسخ لافونتين نوادره الشهيرة عن كتابه «كليلة ودمنة»، مات دون أن يدري كيف يمضي أطفال دمشق، وسائر المناطق السورية ليالي الصقيع، وكيف أن الناس تصرخ «من أجل أي قضية تتحول منازلنا التي أثارت الدهشة في أصقاع الدنيا الى مقابر».

أمن أجل فلسطين التي يسقط ما تبقى منها قطعة قطعة، دون أن يكترث أحد بصرخات الثكالى... أم من أجل العروبة التي طالما قلنا انها لم تعد تصلح علفاً للدجاج؟ لا ريب أن أميركا تلعب دور هولاكو في سوريا، بل في أرجاء المنطقة. حتى البلاط السعودي الذي ارتبط بها لنحو قرن من الزمان يقفل الباب في وجه جو بايدن. ولا ريب أيضاً، أن الروس والايرانيين (دون أن نتغاضى عن بطولات مقاتلي حزب الله) آزروا الدولة في سوريا على دحر البرابرة، والحيلولة دون اعادة بلد زنوبيا، وملاذ محيي الدين بن عربي الى ما قبل العصر الحجري.

ولكن أين هم الحلفاء الذين يمتلكون أهم احتياطات للنفط والغاز في العالم لكي ينقذوا أطفال سوريا، وأهل سوريا من هذا الجحيم؟ لا نقطة مازوت، ولا كهرباء في أي منزل. لا منطق

في ترك الأمور هكذا، الا اذا كانوا يخافون من العقوبات ومن العواقب الأميركية.

أيها السادة، ماذا يستطيع الأميركيون أن يفعلوا بروسيا وبايران، أكثر مما فعلوا، وأكثر مما يفعلون؟

أيام أبوكاليبتية في سوريا التي لأزمتها تداعياتها الدراماتيكية على لبنان. نقول انها بحاجة الى أكثر من صرخة. لذلك، نتمنى على الرئيس بشار الأسد الذي ندرك مدى معاناته كشخص وكنظام، كما ندرك مدى الجراح التي أحدثتها النيوعثمانية (بمخالب المغول) في بلاده، لا مجال للمثالية في زمننا. كل القضايا تموت حين يموت الناس هكذا، آن الأوان لكي تمد يدك الى رجب طيب اردوغان الذي مد لك يده. وبحسب علمنا أن فلاديمير بوتين قال لك ان الرئيس التركي خلع جلد الثعبان...

مصدر ديبلوماسي خليجي رفيع قال لنا «تابعوا نتائج زيارة وزير الخارجية الاماراتي عبدالله بن زايد آل نهيان لدمشق. معلوماتنا الموثوقة أن الزيارة كانت لمهمة سياسية وديبلوماسية، بالغة الحساسية، ويمكن أن تفضي الى حدوث تطور هام في العلاقات العربية ـ السورية ما تكون له انعكاساته على الوضع العام في سوريا»...

نسأل ما اذا كانت الزيارة ـ وهي ليست اماراتية فقط ـ تتوخى استباق القمة السورية ـ التركية، أو تتصل بمسار العلاقات السعودية ـ الايرانية. الجواب «ما نستطيع قوله أن نتائج لقاء الأسد ـ عبدالله كانت مثمرة جداً جداً».

ما يقوم به الأميركيون في سوريا تطبيق نظرية الخبير الاستراتيجي البارز والمؤثر مكسيم مانوارينغ حول «الجيل الرابع من الحروب: الانهاك والتآكل البطيء، ولكن بثبات لارغام الخصم على الرضوخ لمشيئتنا» !!

مانوارينغ أطلق نظريته في محاضرة ألقاها في «اسرائيل» حضرها ضباط «اسرائيليون»، وآخرون من الأطلسي، ووصفت بـ «أخطر محاضرة في القرن». ما يحصل في سوريا، تبعاً للنظرية اياها، «استنزاف كل قدرات الدولة على مراحل». لشعار «دع عدوك يستيقظ ميتاً»!

اذ لا يمكن لسوريا أن تموت (حتى الحطام لا يموت كما كتب ت. س. اليوت)، لمصلحة من انهاك وتآكل سوريا، التي اذا تفككت تفككت المنطقة، واذا ماتت ماتت المنطقة؟ واثقون من أن المشهد لن يبقى هكذا. ولن تكون سوريا، ولن يكون لبنان، العدو الذي يستيقظ ميتاً... 

الأكثر قراءة

حزب الله" كقوة سياسية ضاربة